تابعونا على صفحاتنا

مقالات

مِقياسُ عدالَةِ اللهِ لَيسَ كَمِقياسِ العدالَةِ البَشَرِيَّة!

لَطالَما شَكَّلت العَدالَة في تاريخِ البَشَرِيَّة جَدَلِيَّةً واسِعَة لِكَونِها فَضيلَةً أَساسِيَّة يحتَكِمُ عَلَيها المـُجتَمَع بِأَسْرِه وَهيَ مِنْ بُنيَة وَتَكوين العَلاقات على شَتّى مُستَوَياتِها وَفي بُنيَة الحَياةِ الإِجتِماعِيَّة. عِندَما نَتَكَلَّمْ عَنْ العَدالَة نَتَناوَل مَوضوعَيْ الحُقوقِ وَالواجِبات وَتُستَخدَم المـَقاييس عَلى شَتَّى أَنواعِها وَفقًا لِلمـَوضوعاتِ المـُختَلِفَة. مَثَلًا عِندَما نَتَكَلَّم عَنْ عامِلَين حَرَثا في الحَقلِ واحِدٌ منذُ أَوَّلِ النَّهارِ وَالثّاني مِن مُنتَصَفِ النَّهارِ أَو في آخِرِه وَأَخيرًا يَأخُذانِ ذاتَ القيمَة نَرى في الأَمرِ لِلوَهلَةِ الأُولى لا عدالَة وَغُبنٌ فَمَن تَعِبَ طوالَ النَّهارِ يَستَحِقُّ أَكثَر مِنَ الَّذينَ أَتى في مُنتَصَفِ النَّهارِ أَو في آخِرِه، وَلَكِنْ إِذا ما تَوَقَّفْنا عِندَ العَقدِ القائِم بَينَ رَبّ العَمَلِ وَالعُمَّال سَنَجِدُ أَنَّ العدالَةَ مَنوطَة بِما اتُّفِقَ عَلَيهِ فيما بَينَهُم.
يُقَدِّمُ لَنا الرَّبَّ يَسوع مَثلًا حَولَ ماهِيَّةِ مَلَكوتِ السّمواتِ يَتناوَلُ فيهِ مَوضوع رَبّ بَيتٍ خَرَجَ عِندَ الفَجرِ لِيَستأجِرَ عَمَلَةً لِكَرمِهِ وَمِنْ ثُمَّ خَرَجَ في مُنتَصَفِ النَّهارِ وفي آخِرِهِ وَعِندَ المـَساء سَدَّدَ لِكُلِّ العُمَّال مِن دونِ تَمييزٍ دينارًا واحِدًا قيمَةَ عَمَلِ يَومٍ كامِل. أَينَ العِبرَةُ في المـَوضوع؟ لَقَدْ كانَتْ أُجْرَةُ العامِلِ، لِيَومِ عَمَلٍ كامِل أَيْ مُنذُ الفَجرِ حَتَّى المـَساء، أَيَّامَ الرَّبَّ يَسوع تُقَدَّرُ بِدينارٍ واحِد، وَنَرى أَنَّ الرَّبَّ يَسوع مِن جانِبِ العَدالَة أَعطى في المـَثَلِ العُمّالَ الأَوَّلينَ حَقَّهُم أَمَّا الباقين فَقَدْ كانَ كَريمًا عَلَيهِم، مِمَّا أَثارَ غَيظَ الأَوَّلين لا لِكَونِهِم لَمْ يَأخُذوا أَجرَتَهُم بِعَدلٍ بَل لِأَنَّهُمْ طَمَعوا بِكَرَمِهِ الَّذي ظَنُّوا أَنَّهُمْ ما استَفادوا مِنْهُ. لو تَنَبَّهَ هَؤلاء وَتَنَبَّهنا نَحنُ لِحالَتِنا الأُولى وَهيَ أَنَّنا مِنْ دونِ نِعمَةِ اللهِ وَدَعوَتِنا لَهُ لَبَقينا خارِجًا، لَبَقينا في حالَةِ البَطالَة أَيْ في دَوَّامَةِ اللَّامَعنى وَالضَياع وَالضَلال، وَأَنَّ أَكبَرُ استِثمارٍ استَفادوا مِنْهُ وَذاتُ قيمَةٍ أَعظَمَ مِنَ الدينار هو أَنَّهُم أَمضوا نَهارَهُم في عَمَلٍ مُفيدٍ وَصالِح.
نَرى مِنْ جانِبِ العَدالَة البَشَرِيَّة أَنَّنا دائِمًا نَمضي في حَياتِنا الشَّخصِيَّة إِلى المـُقارَنَة الَّتي تُوَلِّدُ فينا الغَيرَة وَالأَنانِيَّةَ وَالحَسَد، بَينَما العَدالَة الَّتي يَدعونا إِلَيها الرَّبَّ يَسوع تُعيدُنا إِلى الأُسُس وَإِلى القِيَم الَّتي متى عُدنا إِلَيها نَجِدُ أَنَّ الرَّبَّ لَمْ يَكُنْ عادِلًا مَعَنا وَحَسْب بَل أَيضًا كانَ كَريمًا عَلَينا. يَنطَبقُ مَثَلُ العَمَلَة الأَوَّلون عَلى شَعبِ اللهِ المـُختار الَّذينَ عَرَفوا اللهَ الحَيَّ بَدءً مِن دَعوَةِ إبراهيم أَمَّا العَمَلَةُ اللَّاحِقون فَهُمْ يُمَثِّلون الوَثَنيّين وَباقي الشعوب الَّتي عَرَفَت الخَلاصَ وَالنِّعمَة بِشَخصِ يَسوع المـَسيح، وَهذا ما كانَ قَدْ أَشارَ إِلَيهِ القِدّيس بوُلُس في رِسالَتِهِ إِلى أَهلِ رومَة.
لِكَيْ نُدرِكَ أَكثَر قُوَّة عَدالَةِ اللهِ الَّتي يَنكَشِف لَنا مَعَها مَلَكوتُ السَّمواتِ عَلَينا أَن نَتَوَقَّف قَليلًا عِندَ مَعنى رَذيلَةِ البَطالَة الَّتي تَفتُكُ بِالإِنسانِ الَّذي لَمْ يَعرِف بَعد عَمَلَ الروحَ القُدُس في حَياتِهِ. رَذيلَةُ البَطالَة لا تَعني فَقَط الكَسَل وَعَدَم القِيام بِالواجِبِ وَالعَمَل، بَلْ تَعني عَلى المـُستَوى الإِيمان العَيش خارِج دائِرَة العَلاقَة مَع الله. تَعني العَيش في الضلالِ وَاللَّامَعنى وَفي اللَّامُبالاةِ وَاللَّاقيمَة، وَهذا لِلأَسَفِ ما نَراهُ يَتَمَدَّد في عالَمِ اليَوم بِسَبب الإِدمان عَلى وَسائِل التَّواصُل الإِجتِماعيّ بِحَيثُ أَصبَحَ الإِنسانُ سَطحِيًّا وَغارِقًا بِسُيولِ الأَفكار وَالمـُعتَقداتِ النِّسبِيَّة الَّتي تُبعِدُهُ عَنْ الحَقّ الَّذي يَكتَمِل في الخَيرِ وَالمـَحَبَّة. إِذًا البَطالَة وَفقَ تَوصيف القِدّيس إيرونيموس هي أُمُّ لِرذائِلَ كثيرَة، وَهُنا نَجِدُ أَنَّ الرَّبَّ يَسوع لِكَيْ يُدخِلْنا في سِرِّ مَلَكوتِهِ الأَزَليّ يَبدأ بِإِخراجِنا مِنْ سِجنِها لِنَكونَ عَمَلَة في حَقلِهِ، وَهذا يَعني أَن يَكون لِكُلِّ أَعمالِنا وَلِكُلِّ وجودِنا مَعنًى وَهَدَف وَقيمَة.
إِنطِلاقًا مِنْ هُنا، لَمْ تَعُد الإِشكالِيَّةُ تَتَمَحْوَر حَولَ عَدالَة بَشَرِيَّة وَعدالَة إِلهيَّة. فَالإِنسانُ عِندَما يَتَّبِع أَهواءَهُ يَهوى الطَّمَع وَالثّروَة وَيَبحَث عَنْ تَعذيَةِ الأَنا بَينَما عَدالَةُ اللهِ تُعيدُنا إِلى حَقيقَةِ هُوِيَّتِنا الَّتي هيَ على صورَتِهِ كَمِثالِهِ لِنَتَحَرَّرَ أَوَّلًا مِنْ رَذيلَة البَطالَة وَنَعرِفَ الإِيمانَ وَلَكِيْ يَكونَ عَمَلُنا بِالفِعلِ وَالقَولِ هادِفًا إِلى القَداسَة حَيثُ لا يَعُد الآخَرون بِمَثابَةِ مُنافِسين بَل بِمِثابَةِ إِخوَة يُشارِكونَنا كَرَمَ اللهِ المـُغضق عَلَينا بِرَبِنَّا يَسوع المـَسيح.
يَختُمْ الرَّبَّ يَسوع كَلامَهُ في المـَثَلِ كَيفَ يَصيرُ الآخِرونَ أَوَّلينَ وَالأَوّلينَ آخرين، مُحمِّلًا هَذِهِ الآيَة تَنبيهًا وَتَحذيرًا لَنا مِنَ الرَّذائِلِ الَّتي تَعمَلُ دَومًا لِتَضَعنا في حالَةِ صراعٍ مَعَ الآخَرين وَالَّتي تُحَرِّفُ حَقيقَةَ اللهِ فَنَظُنَّهُ غَيرَ عادِلٍ تُجاهَنا وَكَريمٌ مَعَ سِوانا. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا نَجِدُ أَنَّ الرَّبَّ يَسوع يُحَفِّزُنا عَلى إِدراكِ مَاهِيَّةِ مَلَكوتِ السَّمواتِ الَّذي يَقومُ أَوَّلًا على إِخراجِنا مِنْ عالَمِ البَطالَةِ وَالضَلالِ إِلى عالَمِ العَمَلِ المـُقَدَّس وَالنُّور، وَأَنَّهُ لَيسَ حِكرًا عَلَى أَحَدٍ بَلْ هُوَ مُتاحٌ لِلجَميع كَما وَأَنَّنا قَدْ نَخسَرَهُ وَإِنْ تَذَوَّقناهُ وَدَخلنا إِلى كَرْمِهِ إِذا ما عُدنا إِلى خَطايانا السالِفَة رافِضينَ مُشارَكَة المـَحَبَّة معَ إِخوَتَنا أَصحابِ الدَعوَة المـُتَأَخّرَة. فَلنَشكُر الرَّبَّ دائِمًا على ما صَنَعَهُ مِنْ أَجلِنا. آمين.

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg