تابعونا على صفحاتنا

مقالات

متى تُلغِي العدالةُ الرّحمة ومتى الرّحمةُ تتفوّقُ على العدالةِ؟!

لا يستطِيعُ الإِنسانُ بِمُفردِهِ أن يقِيس الحقِيقة، ذلِك لِأنّها بِطبِيعتِها تفُوقُهُ ولِأنّ مقايِيس الإِنسانِ منُوطةٌ بِإِحساسِهِ وإِدراكِهِ المحدُودِ بِالزّمانِ والمكانِ. الحقِيقةُ مُطلقةٌ لِأنّها صِفةٌ مِن صِفاتِ اللهِ اللّامُتناهِي، وبِالتّالِي عِندما نأتِي كبشرٍ لِنبحث ونُفكِّر فِي موضُوعاتِ العدالةِ والرّحمةِ علينا دائِمًا أن نتنبّه إِلى حُدُودِ مقايِيسِنا وإِلى بُعدِ هذِهِ الموضُوعاتِ الماورائِيّةِ. كُلُّ ما نستطِيعُ أن نقِيسهُ خاضِعٌ لِلزّمانِ والمكانِ، وبِالتّالِي تُصبِحُ العدالةُ محدُودةً والرّحمةُ محدُودةً فِي بُعدِ المحدُودِ الّذِي نحنُ فِيهِ، ويبقيانِ غير محدُودينِ عِندما يتّصِلانِ بِحقِيقةِ اللهِ اللّامحدُودِ واللّامُتناهِي.
فِي كُلِّ مرّةٍ نُطالِبُ بِالعدالةِ فِي حياتِنا نعُودُ إِلى سُلّمِ الحُقُوقِ والواجِباتِ، وعلى المُستوى العائِلِيِّ نعُودُ إِلى الحقِّ فِي المِيراثِ وإِلى المُساواةِ الأخوِيّةِ، أمّا على المُستوى الأخلاقِيِّ تبقى العدالةُ فِي ذاتِها قِيمةً أخلاقِيّةً مدعُوِّين لِعيشِها على شتّى المُستوياتِ. فِي كُلِّ مرّةٍ نتكلّمُ عنِ الرّحمةِ نُطالِبُ بِالغُفرانِ وتتجلّى خطايانا وتخفِيقاتُنا وتخطِّياتُنا لِلعدالةِ الإِنسانِيّةِ والإِجتِماعِيّةِ. العدالةُ تُطالِبُ بِالتّعوِيضِ وانتِظامِ كُلِّ شيءٍ فِي مكانِهِ، بينما الرّحمةُ فِي الحقيقةِ تُعوِّضُ بِذاتِها ولا تُطالِبُ المُذنِب بِالتّعوِيضِ بل تدفعُهُ لِينتظِم فِي الحقِّ والعدالةِ. الخطأُ الشّائِعُ أنّنا نظُنُّ غالِبًا عِندما تُوجدُ الرّحمةُ تنتفِي العدالةُ، بينما هِي تُعِيدُنا إِليها لِأنّنا فِي كِليهِما نعِيشُ المحبّة. لا نستطِيعُ أن نُحِبّ قرِيبنا إِذا لم نُحِبّهُ حُبّهُ لِأنفُسِنا أي بِالعدالةِ، ولا نستطِيعُ أن نُحِبّهُ كثِيرًا وفق ما يسُوعُ دعانا وكما هُو أحبّنا إِذا لم نرحمهُ كثِيرًا. سِمةُ العدالةِ الحقُّ والواجِبُ، وسِمةُ الرّحمةِ الغُفرانُ والواجِبُ.
عِندما نرجِعُ إِلى الإِنجِيلِ نسمعُ سِمعان بُطرُس يسألُ يسُوع: “يا ربُّ، كم مرّةً يخطأُ إِليّ أخِي وأغفِرُ لهُ؟ أسبع مرّاتٍ؟ بِإِمكانِنا أن نفهم التّالِي: إِلى أيِّ حدٍّ نُعطِي فُرصةً لِلمُصالحةِ؟ إِلى أيِّ حدٍّ تكُونُ الكلِمةُ لِلرّحمةِ عِوضًا عنِ العدالةِ؟ إِلى متى نظلُّ نحتمِلُ أخطاء الآخرِين وإِلخ؟. أمّا جوابُ يسُوع فهكذا كان: “لا أقُولُ لك: سبع مرّاتٍ، بل سبعِين مرّةً سبع مرّاتٍ”. فلم يكُن هدفُ جوابِ يسُوع أن يكُون منُوطًا بِالأرقامِ وعددِ المرّاتِ ولكِن أتى لِيُذكِّر بِأمرينِ: الأوّلِ: بِأثرِ الخطِيئةِ المُضاعفةِ فِي سِفرِ التّكوِينِ حيثُ بلغت ثمرةُ الإِنتِقامِ فِيها إِلى سبعةٍ وسبعِين ضِعفًا (راجِع تك ٤:٢٤). الثّانِي: لِيدعُو لِلعملِ دائِمًا بِهدفِ البِرِّ والكمالِ الّذِي يقُومُ على المحبّةِ والرّحمةِ وأُولى ثِمارِهِما الغُفرانُ.
نرى يسُوع بعد ذلِك يعرِضُ على بُطرُس وأيضًا علينا مثل الخادِمِ القلِيلِ الشّفقةِ والّذِي مِن خِلالِهِ نكتشِفُ الجواب على الإِشكالِيّةِ الّتِي تقُولُ: متى تُلغِي العدالةُ الرّحمة ومتى الرّحمةُ تتفوّقُ على العدالةِ؟! مِن خِلالِ سِياقِ هذا المثلِ يتداخلُ المحدُودُ والّذِي يعنِي كُلّ واحِدٍ مِنّا مع اللّامُتناهِي، ونكتشِفُ أمرًا فِي غايةِ الأهمِّيّةِ لِحياتِنا الإِيمانِيّةِ والرُّوحِيّةِ وهُو “الفِداءُ” الّذِي لِلأسفِ الشّدِيدِ يغِيبُ عن تفكِيرِنا ومنطِقِنا وتموضُعِنا الإِنسانِيِّ والرُّوحِيِّ.
يُبيِّنُ لنا يسُوعُ مِن خِلالِ المثلِ: الحجم الكبِير لِلدّينِ الّذِي كان على الخادِمِ الّذِي فرضتِ العدالةُ حُكمها بِأن يُباع هُو وامرأتُهُ وعائِلتُهُ وجمِيعُ ما يملِكُ لِيُؤدِّي دينهُ، وإِن تحقّق هذا الأمرُ فِعلًا فلا يستطِيعُ أن يُسدِّد مِن دينِهِ إِلّا القلِيل، ورُغم ذلِك قد رحِمهُ سيِّدُهُ وأعفاهُ مِنهُ جمِيعًا. فِي الحقِيقةِ يُمثِّلُ هذا الخادِمُ كُلّ شخصٍ مِنّا لِأنّ كُلّ ما لنا مِن خيرٍ ونِعمةٍ وبركةٍ فِي حياتِنا هُو مِن اللهِ، وبِالتّالِي حياتُنا فِي ذاتِها وبِكُلِّ ما فِيها مِن صلاحٍ هِي دينٌ علينا تُجاه اللهِ. لم يُطالِبنا بِما أغدقهُ علينا مِن نِعمٍ لِأنّهُ بِذاتِهِ رحمةٌ ومحبّةٌ لامُتناهِيةٌ وقد أعفانا مِن كُلِّ دينِنا بِذبِيحةِ الصّلِيبِ، وبِالتّالِي كان دينُنا قائِمًا إِلى أن افتدانا الرّبُّ يسُوعُ المسِيحُ على الصّلِيبِ. ليس ملكُوتُ اللهِ والحياةُ الأبدِيّةُ هُما لنا كإِستِحقاقٍ، بل هُما نتِيجةُ “الفِداءِ” الّذِي مِن خِلالِهِ ظهرت وتجلّت رحمةُ اللهِ لنا إِذ دُعِينا لِلمِيراثِ الأبدِيِّ.
ما هُو جوابُنا على ما صنعهُ الرّبُّ يسُوعُ تُجاهنا مِن رحمةٍ وفِداءٍ؟ كيف نشكُرُهُ وكيف نكُونُ مُمتنِّين وعارِفِي جمِيلٍ لِحُبِّهِ العظِيمِ لنا؟ إِذا كان اللهُ قد أعفانا مِن الدّينِ الّذِي علينا تُجاههُ، فنحنُ مُطالبُون أن نُعفِي ونرحم كما الرّبُّ قد صفح عنّا، وهذا الإِعفاءُ والغُفرانُ يشملانِ البُعدينِ الرُّوحِيّ والمادِّيّ، لِذلِك عدالةُ الدّينُونةِ لا تُقاسُ بين ما هُو محدُودٌ فِي ذاتِهِ واللّامُتناهِي فِي ذاتِهِ، إِنّما أصبحت بين البشرِ. “بِالكيلِ الّذِي نكِيلُ بِهِ سيُكالُ لنا” أخِيرًا كان أم شرًّا. انطِلاقًا مِن هُنا نفهمُ ما معنى الوصِيّةِ الثّانِيةِ: “أحبِب قرِيبك حُبّك لِنفسِك” وارتِباطِها بِما علّمنا إِيّاهُ الرّبُّ يسُوعُ: “أحِبُّوا بعضكُم بعضًا كما أنا أحببتُكُم”.
من عرف رحمة اللهِ قد تحرّر مِن دينِهِ الكبِيرِ، وبقِي عليهِ أن يتقاسم هذِهِ الرّحمة مع أكثر المُحتاجِين إِليها لِأنّهُ بِذلِك يشهدُ لِمحبّةِ اللهِ وينهلُ أكثر مِنها. لن نستطِيع أن نكُون شُهُودًا حقِيقِيِّين لِرحمةِ اللهِ تُجاهنا إِذا نسِينا وتجاهلنا ثمرة دينِنا الكبِيرِ المُتأتِّي مِن خطايانا والّذِي يمضِي بِنا إِلى الهلاكِ. ولن نستطِيع أن ندع رحمة اللهِ تُنعِشُنا طالما نحنُ نظُنُّ أنّ لدينا حُقُوقًا لدى إِخوتِنا البشرِ وعلينا أن نُقاضِيهُم ونحكُم عليهِم لِنستعِيدها لنا. ما النّفعُ مِن ذلِك إِذا استعدناها وخسِرنا أخِيرًا رحمة اللهِ والحياة الأبدِيّة؟ فلنطلُب أوّلًا ملكُوت اللهِ وبِرّهُ وكُلُّ شيءٍ يُعطى لنا ويُزادُ. آمِين.

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg