موقع Allah Mahabba لا حَياةً روحِيَّةً مِن دونِ الصّليب!
عَلى الرُّغمِ مِمَّا في الإِيمانِ المـَسيحيّ مِنْ نَظرَةٍ إِيجابِيَّةٍ لِلحَياةِ وَمِنْ تَحفيزٍ لِعَيشِ الفَرَحِ بِشَكلٍ دائِم وَفقًا لِروحانِيَّةِ التَطويباتِ، نَكتَشِفُ فيهِ أَيضًا جانِبًا جَدَلِيًّا يَدعونا لِحَمْلِ الصّليب. لَمْ يَنفِ القِدّيس بولُس هَذِهِ الجَدَلِيَّةِ بَلْ أَكَّدَ عَلَيها في كَلامِهِ أَنَّ الصّليبَ لِليونانِيّينَ أَي للوَثنِيّينَ جَهالَة وَلِليَهودِ عَثرَةً، أَمَّا لِلمُؤمِنينَ فَهوَ قُدرَةُ وَقُوَّةُ الله. كَيفَ لَنا نَحنُ اليومَ أَنْ نَرى في الصّليبِ قُوَّةُ اللهِ؟ كَيفَ لَنا أَن نَفتَخِرَ بِحَملِ الصَّليبِ في عالَمٍ أَصبَحَ غارِقًا بِروحِ الرَّفاهِيَّةِ وَمَشدودًا بِهَوى اللَّامُبالاة؟ كَيفَ لَنا أَن نَقبَلَ دَعوَةَ الرَّبّ القائِلِ لَنا: “مَنْ أَرادَ أَن يَتْبَعَني، فَليَزهَد في نَفسِهِ وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتْبَعني، لِأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَهُ يَفقِدُها، وَأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سَبيلي فَإِنَّهُ يَجِدُها؟”.
كُلُّنا نَعلَمُ أَنَّ الأَناجيلَ كُتِبَت كُلُّها بَعدَ حَدَثَيْ المـوت/الفِداء وَالقِيامَة، وَقَدْ كُتِبَت لِحاجَةِ الكَنيسَةِ الأُولى لِمَعرِفَة حَياةَ الرَّبَّ يَسوع وَتَعليمِهِ وَمُثُلِهِ وَمِثالِهِ، بَعدَما بَدَءَ الرُّسُلُ يَسْتَشهِدون. انطِلاقًا مِنْ هُنا أَن يَأتي ذِكرُ الصَّليبِ في تَعليمِ الرَّبّ قَبلَ حَدَثِ المـَوتِ وَالقِيامَة، فَما هوَ إِلَّا مُقَدِّمَةٌ لِمـَعرِفَةِ المـَعنى العَميق الَّذي يَحتَويهِ الصّليب في حَياةِ التِلميذ. عِندَما نَتَوَقَّفُ مُتَأَمِّلينَ شاخِصينَ في أَحداثِ الآلامِ وَالجُلجُلة نُعايِنُ كَيفَ أَنَّ الرَّبَّ يَسوع لَمْ يَتَخَلَّ لَحظَةً واحِدَةً عَن تَصميمِهِ الخَلاصيّ خَوفًا مِنَ الآلامِ وَمَوتِ الصَّليب، وَلَمْ يَتَراجَع عَنْ مَوقِفِه لا بَل أَصْبَحَ الصّليب عَلامَةَ إِصرارِهِ وَتَأكيدًا عَلى قُوَّةِ مَحَبَّتِهِ وَغُفرانِهِ الَّذي بِهِما انتَصَرَ عَلى الأَلَمِ وَالخَوفِ وَالعارِ وَالمـَوتِ وَالخَطيئَةِ وَالشرّير.
مِنْ أَقوالِنا الشعبِيَّة: “عِندَ الإِمتِحانِ يُكرَمُ المـَرءُ أَو يُهان”. الصّليبُ في حَياةِ المـُؤمِن هوَ لَيسَ بِمِحنَةٍ أَو إِغواءٍ لا بَل هوَ الباب إِلى مُواجَهَةِ الذَّاتِ الحَقَّة وَإِلى عَيشِ التَّواضُعِ وَإِلى العَيشِ في الحَقيقَة. مِنْ هُنا يَقولُ الرَّبّ: “مَن أَرادَ أن يَتْبَعني، فَليَزهَد في نَفسِه وَيَحمِل صَليبَهُ وَيَتْبَعني”. عالَمُ اليَوم يَحُثُّنا عَلى الهُروبِ إِلى عالَمِ الأَوهامِ وَإِلى اللّهو في العالَم الخارِجيّ، بَينَما الصَّليبُ يُذَكِّرُنا في عُمقِ حَقيقَتِنا وَفي حاجَتِنا العَميقَة لِخَلاصِ الله وَلِمَحَبَّتِهِ الغافِرَة وَالمـُحَرِّرَة. كُلُّ إِنسانٍ عَرَفَ حَقيقَةَ ذاتِهِ، عَرَفَ في الوَقتِ عَينِهِ صَليبَهُ الشَّخصيّ، أَيْ عَرَفَ نِعمَةَ الصّليب الَّذي يَجعَلُهُ يَتَّضِع أَمامَ اللهِ وَالنَّاس. وَكُلُّ إِنسانٍ لَمْ يَعرِفْ صَليبَهُ بَعد، فَهوَ ما زالَ بَعيدًا عَنْ حَقيقَةِ ذاتِهِ وَيَجهَلُها.
صَحيحٌ أَنَّ الصّليبَ يُمَثِّلُ الهَوانَ وَالضِّعفَ وَالهَشاشَة، وَقَدْ يَكونُ لِلبَعضِ عَلامَةَ عارٍ، وَلَكِنْ غايَةَ وُجودِهِ اللُّجوءَ إِلى الله إِلى حَدِّ الإِلتِصاقِ بِهِ. ما مِنْ أَحَدٍ يَستَطيعُ أَن يَقبَلَ الصّليبَ كَنِعمَةٍ مِنْ دونِ الروحِ القُدُس، وَكُلُّ مَنْ قَبِلَ الصَّليبَ في حَياتِهِ أَصبَحَ حَيثُ هُوَ عَلامَةً فارِقَةً وَمُمَيَّزَةً وَجَذَّابَةً لِكُلِّ عارِفيه. وَفقًا لِسِياقِ تَعليمِ الرَّبّ يَسوع يُصبِح الصّليب الأَداة الَّتي تَدفَعُنا لِنَتَحَرَّرَ مِنْ الأَنانِيَّةِ الَّتي تَسْكُنُ أَعماقَ نُفوسَنا وَتُقَيِّد قُلوبَنا وَتَجْعَلَنا نَعيشُ لَها لا مِنْ أَجلِ اللهِ وَلا مِنْ أَجلِ الآخَرين. إِذًا الصّليبُ هوَ الباب الَّذي بِهِ نَدخُلُ إِلى حَقيقَةِ نُفوسِنا المـَحبوبَة مِنَ اللهِ وَعِندَئِذٍ نَتَحَرَّرُ مِنْ روحِ الكَذِب الَّذي يَدْفَعُنا دائِمًا إِلى الوَهمِ وَإِلى الضَلال.
في عالَمِ اليَوم يولَدُ الإِنسان وَبِيَدهِ هاتِفٌ نَقَّالٌ يُدخِلُهُ فَورًا إِلى العالَمِ الإِفتِراضيّ. أَصبَحَ النَّاسُ عَلى وَسائِلِ التّواصُلِ الإِجتِماعيّ “رُسومًا مُتَحَرِّكَة”، يُشَكِّلونَ صَوَرَهُم وَيَعرِضونَ أَنفُسَهُم بِمِئَةِ أَلفِ طَريقَةٍ وَطَريقَة ساعينَ لِجَذبِ الأَنظار، وَهَكذا يَعيشونَ حَتَّى يَموتون وَهُمْ في عالَمِ الوَهمِ وَالضّلال. ما مِنْ طَريقٍ إِلى الحَقيقَةِ إِلّا صَليبِ رَبّنا يَسوع المـَسيح، فَبِواسِطَتِهِ نَكتَشِفُ كَيفَ أَنَّ الآبَ جادَ بابنِهِ الوَحيد لِئَلَّا يَهلِكَ كُلّ مَنْ يُؤمِن بِهِ، وَبِواسِطَتِهِ نَستَطيعُ أَن نُواجِهَ بِشَجاعَةٍ أَنفُسَنا وَالعالَم لِأَنَّ اللهَ قَدْ أَحَبَّنا أَوَّلًا. بِواسِطَةِ صَليبِ الرَّبَّ يَسوع نَكتَشِفُ صُلبانَنا الخاصَّة الَّتي تُذَكِّرُنا بِحَقيقَةِ التُرابِ الَّذي أُخِذنا مِنْهُ وَبِحَقيقَةِ النِّعمَةِ الَّتي تُؤَلِّهُنا.
صَحيحٌ أَنَّ الإِنسانَ المـُعاصِرَ يَمقُتُ لُغَّةَ الصَّليب وَيَهوى الصُوَر الجَميلَة وَالبَّراقَة المـُصطَنَعَة عَبرَ الذَكاءِ الإِصطِناعيّ وَهوَ يُدرِكُ تَمامًا أَنَّها غَيرَ حَقيقيَّة، وَلَكِنْ يَستَحيلُ عَلَيهِ أَن يَعرِفَ الحَقيقَةَ في ذاتِها خارِجًا عَنْ الصَّليب. صَحيحٌ أَنَّ أَديانًا عَديدَةً تَعتَرِضُ عَلى مَفهومِ الخَلاصِ الَّذي حَقَّقَهُ الرَّبَّ يَسوع عَبْرَ الصّليب، وَيَعْتَبِرونَ كُفرًا المـُجاهَرَةَ بِأَنَّ اللهَ قَدْ صُلِبَ وَماتَ، لَكِنَّهُمْ في قَولِهم الدِّفاعيّ هذا عَنْ سُمُوّ اللهِ يَجهَلونَ عَظَمَةَ قُدرَتِهِ وَتَواضُعِهِ الَّذي حَنا بِهِ إِلى ظُلْمَةِ وَجحيمِ البَشَرِيَّة لِيُظهِرَ مَحَبَّتَهُ وَرَحْمَتَهُ تُجاهَها. أَن نَحمِلَ الصّليبَ وَنَتْبَعَ الرَّبَّ يَسوع، هذا يَعني أَن نَحمِلَ كُلّ ما فينا دونَ أَيّ استِثناءٍ وَنُقَدِّمَهُ إِلَيهِ بِشَكلٍ مُطلَق، وَأَن يَكونَ الرَّبُّ هوَ الأَوَّلُ في حَياتِنا وَالسَيِّدِ عَلَيها. أَن نَحمِلَ الصَّليب هذا يَعني أَلَّا نتَحَجَّجَ بِضُعفِنا وَوَهنِنا، بَل نُعلِن أَنَّ إِلَهَنا أَعظَمَ جِدًّا مِنْها جَميعًا وَأَنَّهُ بإِمكانِنا أَن نَتْبَعَهُ مَهما كانَتْ حالَتُنا وواقِعُنا، فَاتِّباعُنا لَهُ يَجعَلُهُ قُوَّتَنا في ضَعفِنا وَالنّعمَةُ الَّتي تَكفينا، آمِين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام





