تابعونا على صفحاتنا

مقالات

لَيْسَ السُّؤَالُ: كَيْفَ يَزرَعُ اللهُ؟ بَلْ: هَلْ أَسْمَحُ لَهُ أَنْ يَزرَعَ في قَلبي كَلِمَتَهُ؟

عِندَما نَسمَعُ مَثَلَ الزّارِعِ، يَتَّجِهُ فِكرُنا غالِبًا إِلى أَنواعِ الأَرضِ الأَربَعَةِ: الطَّريقِ، وَالصَّخرِ، وَالشَّوكِ، وَالأَرضِ الجَيِّدَةِ. وَنَسأَلُ أَنفُسَنا: أَيُّ أَرضٍ أَنا؟ لٰكِنَّ الإِنجيلَ يَدعونا اليَومَ إِلى أَنْ نَذهَبَ أَبعَدَ مِن ذٰلِكَ. فَقَبلَ أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي الأَرضِ، يَنبَغِي أَنْ نَتَأَمَّلَ فِي الزّارِعِ نَفسِهِ. فَإِنَّ أَوَّلَ ما يُدهِشُنا في هٰذا المَثَلِ لَيسَ الأَرضَ، بَلْ سَخاءَ الزّارِعِ. فَالزّارِعُ يَزرَعُ في كُلِّ مَكانٍ؛ عَلَى الطَّريقِ، وَبَينَ الصُّخورِ، وَفِي وَسَطِ الأَشواكِ، وَفِي الأَرضِ الجَيِّدَةِ. وَمِن مَنظورِ البَشَرِ، يَبدُو هٰذا تَصَرُّفًا غَيرَ مَنطِقِيٍّ، فَلا أَحَدَ مِنَ الفَلّاحينَ يَفعَلُ ذٰلِكَ. لٰكِنَّ اللهَ لَيسَ فَلّاحًا يُفَكِّرُ بِمَنطِقِ الرِّبحِ وَالخَسارَةِ، بَلْ هُوَ أَبٌ يُفَكِّرُ بِمَنطِقِ المَحبَّةِ.

يَقولُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الفَمِ: “لَو كانَ الزّارِعُ إِنسانًا، لَما زَرَعَ عَلَى الطَّريقِ وَلا بَينَ الأَشواكِ؛ أَمّا اللهُ فَيَزرَعُ حَتّى هُناكَ، لِأَنَّهُ يَعلَمُ أَنَّ الأَرضَ قادِرَةٌ أَنْ تَتَغَيَّرَ”. ما أَجمَلَ هٰذِهِ الحَقيقَةَ! إِنَّ اللهَ لا يَيأَسُ مِن قَلبِكَ، حَتّى وَإِن يَئِستَ أَنتَ مِن نَفسِكَ. كَم مِن مَرَّةٍ وَعَدتَ اللهَ ثُمَّ ضَعُفتَ؟ كَم مِن مَرَّةٍ قُلتَ: “سَأَبدَأُ مِن جَديدٍ”، ثُمَّ عُدتَ إِلى السُّقوطِ؟ وَمَعَ ذٰلِكَ، لَم يَتَوَقَّفِ اللهُ عَن زِراعَةِ كَلِمَتِهِ فِي قَلبِكَ. لِأَنَّ الرَّحمَةَ الإِلٰهِيَّةَ لَيسَت فَقَط أَنْ يَغفِرَ اللهُ خَطايانا، بَلْ أَنْ يَرفُضَ أَنْ يَفقِدَ الرَّجاءَ فِينا.

لَيسَتِ المُشكِلَةُ فِي البِذارِ. فَكَلِمَةُ اللهِ دَائِمًا حَيَّةٌ، وَدائِمًا قادِرَةٌ عَلَى أَنْ تُغَيِّرَ القُلوبَ. وَلَيستِ المُشكِلَةُ فِي الزّارِعِ، فَهُوَ لا يَكُفُّ عَنِ العَطاءِ. إِنَّما السُّؤالُ الحَقِيقِيُّ هُوَ: هَلْ يَجِدُ اللهُ في قَلبِي مَكانًا يَعمَلُ فِيهِ؟ وهُنا نَكتَشِفُ أَمرًا عَجيبًا. فَالإِنجيلُ لا يَقولُ إِنَّ هُناكَ أَشخاصًا هُم طَريقٌ، وَآخَرينَ هُم صَخرٌ، وَآخَرينَ هُم شَوكٌ. بَلْ يَصِفُ حَالَةَ القَلبِ. وَالحَالَةُ يُمكِنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ. فَالطَّريقُ يُمكِنُ أَنْ يُحرَثَ. وَالصَّخرُ يُمكِنُ أَنْ يُكسَرَ. وَالأَشواكُ يُمكِنُ أَنْ تُقتَلَعَ. لِذٰلِكَ لا يَوجَدُ إِنسانٌ يَستَطيعُ أَنْ يَقولَ: “أَنا هٰكَذا، وَلَنْ أَتَغَيَّرَ”. فَالنِّعمَةُ الإِلٰهِيَّةُ أَقوَى مِن قَساوَةِ القَلبِ.

يَقولُ القِدِّيسُ أُوغُسطينُس: “لا يَكفي أَنْ تَسمَعَ الكَلِمَةَ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَسمَحَ لَها أَنْ تُغَيِّرَ حَياتَكَ”. وَهُنا نَصِلُ إِلى قَلبِ الرِّسالَةِ. فَالبِذارُ تَحمِلُ الحَياةَ في داخِلِها. إِنَّها لا تَستَمِدُّ قُوَّتَها مِنَ الأَرضِ، بَلْ تَحمِلُها مَعَها. وَهٰذِهِ هِيَ كَلِمَةُ اللهِ. فَهِيَ لا تَطلُبُ مِنكَ أَنْ تَخلُقَ الحَياةَ، بَلْ أَنْ تَسمَحَ لِلحَياةِ أَنْ تَعمَلَ فِيكَ. كَثيرًا ما نَظُنُّ أَنَّ القَداسَةَ هِيَ مَشروعُ الإِنسانِ، وَأَنَّ اللهَ يَنتَظِرُ مِنَّا أَنْ نُصَبِحَ كامِلِينَ بِقُوَّتِنا. لٰكِنَّ الحَقيقَةَ هِيَ أَنَّ القَداسَةَ هِيَ مَشروعُ اللهِ فِينَا. إِنَّهُ هُوَ الَّذِي يَزرَعُ. وَهُوَ الَّذِي يُنمِي. وَهُوَ الَّذِي يُثمِرُ. أَمَّا دَورُنا، فَهُوَ أَلّا نُقاوِمَ عَمَلَ نِعمَتِهِ. لِذٰلِكَ يَقِفُ أَكبَرُ خَطَرٍ يُهَدِّدُ حَياتَنا الرُّوحِيَّةَ، لَيسَ فِي ضَعفِنا، بَلْ فِي انشِغالِنا.

فَالقِدِّيسُ إيرونيموس يَقولُ: “الأَشواكُ لَيسَت دَائِمًا خَطايا كَبِيرَةً، بَلْ هِيَ هُمومُ العالَمِ الَّتي تَخنُقُ الكَلِمَةَ بِهُدوءٍ”. وَكَيفَ لا تَختَنِقُ الكَلِمَةُ، وَنَحنُ نَملأُ أَيّامَنا بِكُلِّ صَوتٍ إِلّا صَوتِ اللهِ؟ نَستَيقِظُ عَلَى الهاتِفِ. وَنَنامُ وَالهاتِفُ بَينَ أَيدِينا. وَنَخشَى الصَّمتَ، مَعَ أَنَّ البِذارَ لا تَنمُو فِي الضَّجيجِ. إِنَّها تَنمُو فِي الأَرضِ الصّامِتَةِ. لِهٰذا، فَإِنَّ أَوَّلَ خِدمَةٍ نُقَدِّمُها لِكَلِمَةِ اللهِ، هِيَ أَنْ نُهَيِّئَ لَها قَلبًا هادِئًا.

فِي كُلِّ قُدّاسٍ نَقتَرِبُ مِن مائِدَتَينِ. مائِدَةِ الكَلِمَةِ. وَمائِدَةِ الإِفخارِستِيّا. وَكَما نَستَقبِلُ جَسَدَ المَسيحِ لِيُغَيِّرَ حَياتَنا، هٰكَذا أَيضًا نَستَقبِلُ كَلِمَتَهُ لِتُغَيِّرَ عُقولَنا وَقُلوبَنا. فَالكَلِمَةُ لا تُعطَى لِنَحفَظَها فَقَط، بَلْ لِنَعيشَها. لا تُعطَى لِنُناقِشَها، بَلْ لِنَتَحَوَّلَ بِها. لا تُعطَى لِتَزِيدَ مَعلوماتِنا، بَلْ لِتُغَيِّرَ وُجودَنا.
لِنَخرُجْ إِذًا اليَومَ بِسُؤالٍ واحِدٍ، لَيسَ: “أَيُّ نَوعٍ مِنَ الأَرضِ أَنا؟” بَلْ: ما هِيَ الشَّوكَةُ الَّتي ما زِلتُ أَتَمَسَّكُ بِها، وَتَمنَعُ كَلِمَةَ اللهِ مِن أَنْ تُثمِرَ فِيَّ؟ رُبَّما هِيَ كَبرِياءٌ لا أُريدُ أَنْ أَترُكَها. رُبَّما هِيَ غُفرانٌ أَرفُضُ أَنْ أُقَدِّمَهُ. رُبَّما هِيَ خَطيئَةٌ أُساوِمُ عَلَيها. رُبَّما هِيَ انشِغالٌ يَسرِقُ مِنِّي اللهَ كُلَّ يَومٍ. لِنُقَرِّرْ اليَومَ أَنْ نَقتَلِعَ شَوكَةً واحِدَةً، وَأَنْ نُعطِيَ اللهَ مَساحَةً أَوسَعَ فِي قُلوبِنا. فَاللهُ لَنْ يَتَوَقَّفَ عَنِ الزِّراعَةِ… وَلَنْ يَتَعَبَ مِنَ الاِنتِظارِ… وَلَنْ يَفْقِدَ الرَّجاءَ فِينَا… فَلْيَكُنْ قَلبُنا، بِفَضلِ نِعمَتِهِ، الأَرضَ الجَيِّدَةَ الَّتِي تَحفَظُ الكَلِمَةَ، وَتُثمِرُ ثَمَرًا يَبقَى، ثَلاثينَ، وَسِتِّينَ، وَمِئَةً، لِمَجدِ اللهِ وَخَيرِ الإِنسَانِ. آمِين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام