تابعونا على صفحاتنا

مقالات

لا تَخافوا بَل ثِقوا!

يُعتَبَرُ الخَوفُ مِنْ أَقوى المَشاعِرِ الَّتي يَختَبِرُها الإِنسانُ وَالَّتي تُسَيْطِرُ وَتُؤَثِّرُ عَلى أُسلوبِ تَفكيرِهِ وَنَهجِ حَياتِهِ. الخَوفُ سَيفٌ ذو وَجهَيْنِ وَلَدَيهِ مِنَ الإِيجابِيَّةِ ما لَدَيهِ أَيضًا مِنَ السَّلبيَّةِ. قَدْ يَتَحَوَّلُ إِلى حِكْمَةٍ وَدِرايَةٍ وَانتِباهٍ وَحَذَرٍ أَو يُصبِحُ هَلَعًا وَارتِياعًا وَقَلَقًا. لا أَحَدَ مِنَّا يَستَطيعُ أَنْ لا يَخافَ، وَمَخاوِفُنا تَختَلِفُ عَنْ بَعضِنا البَعضِ، كُلٌّ بِحَسَبِ خِبْرَتِهِ وَحالَتِهِ وَالواقِعِ الَّذي يَعيشُ فيهِ. عِندَما نَرجِعُ إِلى حَياةِ الرَّبِّ يَسوعَ في الإِنجيلِ نَجِدُهُ قَدْ خافَ أَمامَ ثِقلِ الصَّليبِ وَالأَلَمِ، وَلَكِنَّ كُلَّ حَياتِهِ كانَتْ مُتَوَّجَةً بِالثِّقَةِ وَالأَمانَةِ للهِ الآبِ. كَما وَنَجِدُهُ لا يَدعونا فَقَط لِئَلَّا نَخافَ، بَلْ يُحَرِّرُنا أَيضًا مِنْ مَخاوِفِنا الَّتي تُصبِحُ بِمَثابَةِ السِّجنِ لَنا.
عِندَما دَعا الرَّبُّ يَسوعُ تَلاميذَهُ لِيَكونوا رُسُلًا وَضَعَ نُصبَ عُيونِهِم الواقِعَ الَّذي سَيَعيشونَهُ وَالَّذي يُحَتِّمُ عَلَيهِم مُواجَهَةَ الاضطِهادِ، وَحَثَّهُمْ لِئَلَّا يَسمَحوا للخَوفِ أَنْ يَدخُلَ إِلى قُلوبِهِم وَأَنْ يَكونَ لَدَيهِ سُلطانٌ عَلَيهِم. لَمْ يُؤَنِّبْهُمْ لِأَنَّ الخَوفَ كامِنٌ في طَبيعَتِهِم البَشَرِيَّةِ، بَلْ دَعاهُمْ لِيَتَحَرَّروا مِنْهُ، أَنْ يَضَعوا ثِقَتَهُمْ بِاللهِ الآبِ وَبِالكَلامِ الَّذي يَقولُهُ لَهُمْ، لِأَنَّهُمْ هَكَذا يَستَطيعونَ تَهذيبَ الخَوفِ الَّذي فيهِم مِنْ خِلالِ عَلاقَتِهِم الحَقيقيَّةِ بِاللهِ. إِذًا لا أَحَدَ مِنَّا يَستَطيعُ أَنْ يَتَنَكَّرَ لِلخَوفِ الَّذي فيهِ، فَكُلُّنا مَدعُوُّونَ لِأَنْ نَعرِفَهُ وَنُسَمِّيَهُ وَلِأَنْ نُواجِهَهُ عَنْ طَريقِ عَلاقَتِنا بِاللهِ في يَسوعَ المَسيحِ رَبِّنا.
كُثُرٌ مِنَّا يَخافونَ عَلى سِمْعَتِهِم وَعَلى صورَتِهِم. نَخافُ مِنْ أَقوالِ النَّاسِ الكاذِبَةِ وَالجارِحَةِ. فَيَسوعُ يَفهَمُ واقِعَنا وَقَدْ واجَهَهُ في إِنسانِيَّتِهِ وَعَلَّمَنا بِقَدَرِ ما نَكونُ ثابِتينَ في الحَقِّ، فَمَهْما قيلَ فينا وَعَنَّا مِنْ شَهاداتِ زورٍ، إِذا ثَبَتْنا عَلى الحَقِّ يَأتي يَومٌ وَتَسقُطُ كُلُّ الأَكاذيبِ وَتَنكَشِفُ جَميعًا. بَدَلًا مِنَ الدِّفاعِ عَنْ أَنفُسِنا بِسَبَبِ الأَضاليلِ وَالكَذِبِ نَحنُ مَدعُوُّونَ لِأَنْ نَحفَظَ كَلِمَةَ اللهِ في قُلوبِنا لِتَبقى بِسَلامٍ وَأَنْ نُعلِنَها بِكَلامِنا وَأَفعالِنا، وَهَكَذا نَتَغَلَّبُ عَلى شَرِّ النَّميمَةِ وَالكَذِبِ بِفَضيلَةِ الوَداعَةِ وَالتَّواضُعِ.
مَنْ مِنَّا لا يَخافُ مِنَ المَوتِ الجَسَدِيِّ؟ كُلُّنا نَخافُ وَيَسوعُ أَيضًا قَدْ شارَكَنا في هذا الخَوفِ، وَلَكِنَّهُ عَلَّمَنا أَنْ نَضَعَ كامِلَ ثِقَتِنا بِاللهِ الآبِ، وَدَعانا لِنَتَحَرَّرَ مِنْ هذا الخَوفِ عَنْ طَريقِ الإِيمانِ بِقِيامَتِهِ وَعَنْ طَريقِ التَّأَمُّلِ في سِعَةِ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ. لَقَدْ دَعانا لِنَعيشَ بِالرَّجاءِ وَلِنُعيدَ سُلطانَ اللهِ عَلى كامِلِ حَياتِنا. سَواءٌ عِشنا أَمْ مُتنا فَنَحنُ مُلكُ اللهِ، جُلُّ ما عَلَينا أَنْ نَفعَلَهُ هُوَ أَنْ نَعيشَ حَياتَنا بِالتَّقوى وَالقَداسَةِ مُتَعَطِّشينَ إِلى بِرِّ اللهِ بِمَخافَةٍ ثابِتَةٍ. دَعوَةُ يَسوعَ لَنا لِئَلَّا نَخافَ مِنَ الَّذينَ يَستَطيعونَ قَتْلَ الجَسَدِ لَيسَتْ بِدَعوَةٍ إِلى العَيشِ بِغَيرِ مَسؤوليَّةٍ وَلا مُبالاةٍ، بَلْ عَلى العَكسِ فَإِمكانِيَّةُ المَوتِ مُتَوَفِّرَةٌ في كُلِّ لَحْظَةٍ، وَبِالتَّالي عَلَينا أَنْ نَعيشَ للهِ وَحدَهُ في كُلِّ لَحْظَةٍ مِنْ حَياتِنا راجينَ رِضاهُ وَالحَياةَ الأَبَدِيَّةَ.
مَنْ مِنَّا لا يَخافُ أَنْ يَكونَ لا قيمَةَ لِحَياتِهِ وَلِوجودِهِ عِندَ النَّاسِ؟ كُلُّنا نَخافُ، وَهذا ما يَجعَلُنا نُعطيهِم سُلطَةً عَلى حَياتِنا، فَنُصبِحَ تَبَعِيِّينَ لَهُمْ، وَنَسعى لِإِرضائِهِم فَلا نَعُدْ نَستَطيعُ أَنْ نَكونَ أَحرارًا. كَمْ مِنَ التَّعَلُّقاتِ غَيرِ المُنَظَّمَةِ الَّتي تُؤثِّرُ في حَياتِنا في المَخاوِفِ وَالأَفكارِ السَّوداوِيَّةِ فَلا نَعُدْ نُجيدُ التَّصَرُّفَ؟ مَنْ عَرَفَ مَحَبَّةَ اللهِ وَرِضاهُ، تَعَلَّقَ بِاللهِ وَعَرَفَ الحُرِّيَّةَ الحَقَّةَ، فَلا يَعُدْ يَخافُ وُجوهَ النَّاسِ وَلا يَعُدْ يُحابي وُجوهَهُمْ أَبَدًا، بَلْ يَقولُ الحَقَّ وَلا يَخَفْ. عَلَينا أَنْ نُمَيِّزَ بَينَ نِعمَةِ الحُرِّيَّةِ الَّتي نَنالُها عَنْ طَريقِ تَعَلُّقِنا بِاللهِ وَسِجنِ المَخاوِفِ المُتَأَتِّي مِنَ التَّعَلُّقاتِ العاطِفِيَّةِ وَالاجتِماعِيَّةِ الَّتي تَجعَلُنا نَرضَخُ لِرَذيلَةِ المَصلَحَةِ الذَّاتِيَّةِ.
لَيسَ سَهلًا أَنْ نَكونَ أَحرارًا بِقُوَّةِ كَلِمَةِ الرَّبِّ يَسوعَ المُحَرِّرَةِ وَعَلى مِثالِهِ، وَلَكِنَّ الإِمكانِيَّةَ مُتاحَةٌ وَمَوجودَةٌ وَقَريبَةٌ مِنْ كُلِّ واحِدٍ مِنَّا. بادِئَ ذي بَدْءٍ عَلَينا أَنْ نَكونَ صادِقينَ مَعَ أَنفُسِنا وَأَنْ نَختارَ طَريقَ الحَياةِ بَدَلًا مِنْ طَريقِ المَوتِ، وَهذا يَعني أَنْ نَقبَلَ أَوَّلًا مُواجَهَةَ مَخاوِفِنا في عِقرِ دارِ قُلوبِنا، لا بِأَفكارِنا الخاصَّةِ بَلْ بِقُوَّةِ كَلِمَةِ الرَّبِّ يَسوعَ الخَلاصِيَّةِ، الَّتي تُوَلِّدُ فينا الثِّقَةَ الَّتي لا تُخَيِّبُ صاحِبَها أَبَدًا. مَتى وَضَعنا ثِقَتَنا وَرَجاءَنا في الرَّبِّ، عِندَئِذٍ لا يَعُدْ لِلخَوفِ مِنْ سُلطانٍ عَلَينا، وَلا يَعُدْ لإِبليسَ الَّذي يَبُثُّ الخَوفَ مِنْ قُوَّةٍ عَلَينا، وَمَتى تَحَرَّرنا مِنَ الخَوفِ عَرَفنا عُذوبَةَ السَّكينَةِ وَهُدوءَ القَلبِ وَرَوعَةَ سَلامِ المَسيحِ الطَّيِّبَةِ.
عِندَما يُصغي قَلبُنا إِلى الخَوفِ يَقلَقُ، وَعِندما تُصغي أَجسادُنا إِلى الخَوفِ تَرتاعُ وَتَفزَعُ، وَلَكِنْ عِندَما نُصغي إِلى الخَوفِ وَنَحنُ مُتَمَسِّكونَ بِكَلِمَةِ يَسوعَ وَبِمِثالِهِ الحَيِّ لَنا وَنَحنُ مُدرِكونَ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَأتي لِنُجدَةِ ضُعفِنا، نُواجِهُ الخَوفَ بِالثِّقَةِ وَالإِيمانِ، وَبَدَلًا مِنَ القَلَقِ وَالارتِياعِ نَجِدُ السَّكينَةَ وَالسَّلامَ دائِمًا في حَوزَتِنا. هذا كُلُّهُ لَنْ يَتَحَقَّقَ إِذا لَمْ نَطلُبْ نِعمَةَ الصَّلاةِ الحَيَّةِ وَالصَّادِقَةِ الَّتي تَجعَلُنا دائِمي الانفِتاحِ عَلى حُضورِ اللهِ فينا، وَعَلى نِعمَتِهِ الَّتي تَكفينا. لَمْ يَقُلْ يَسوعُ لَنا يَومًا: لا تَخافوا بِهَدَفِ طُمَأنينَةٍ كَلامِيَّةٍ، بَلْ لِنَثِقَ أَنَّنا مَعَهُ نَختَبِرُ قُوَّةَ العِنايَةِ الإِلَهِيَّةِ، فَلَمْ نُخلَقْ لِنَعيشَ في الخَوفِ وَلِيَعيشَ فينا، بَلْ خُلِقنا وَافتُدينا لِنَعيشَ أَحرارًا وَتُبقى شُعلَتُها مُشتَعِلَةً بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ دائِمًا فينا، آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام