موقع Allah Mahabba صَعِدَ يَسوعُ إِلى السّماءِ وَلَكِن…
عِندَما نَقرَأُ في إِنجيلِ الرَّبِّ يَسوعَ نَجِدُ الكَثيرَ مِنَ الأَمثالِ وَالنُّصوصِ الَّتي تَتَناوَلُ مَوضوعَ الوَكالَةِ وَالأَمانَةِ وَغِيابَ السَّيِّد، وَهذِهِ كُلُّها تَنطَبِقُ عَلى حَدَثِ صُعودِ الرَّبِّ يَسوعَ إِلَى السَّماءِ وَجُلوسِهِ عَنْ يَمينِ اللهِ الآب. لَمْ يَكُنْ حَدَثُ الصُّعودِ مُجَرَّدَ وَداعِ سَفَرٍ مِنْ دونِ رُجوعٍ، بَلْ كانَ بِمَثابَةِ انتِقالٍ إِلَى نَوعِيَّةِ حُضورٍ رُوحيٍّ جَديدٍ أَبعَدَ وَأَعمَقَ مِنْ كُلِّ حُضورٍ جَسَدِيّ. يَتَمَيَّزُ حَدَثُ الصُّعودِ بِالرَّبطِ وَالوَساطَةِ الَّتي أَحدَثَها بَينَ السَّماءِ وَالأَرض، بَينَ الرَّبِّ يَسوعَ وَكَنيسَتِهِ الحاضِرِ فيها في وَسَطِ العالَمِ وَالتّاريخِ.
عِندَما نَتَأَمَّلُ في حَدَثِ الصُّعودِ نَجِدُ فيهِ بُعدَين: الأَوَّلُ يَتَناوَلُ كَيفَ تَمَّ الحَدَثُ وَأَينَ، وَالتَّلاميذَ الَّذينَ كانوا هُناك، وَالثّاني يَتَناوَلُ الرِّسالَةَ. البُعدُ الأَوَّلُ مِنْهُ يُؤَكِّدُ عَلى أَمرَين: أَوَّلًا يُثَبِّتُ أَنَّ الرَّبَّ يَسوعَ قَدْ قامَ حَقًّا مِنْ بَينِ الأَموات، وَصَعِدَ بِجَسَدِهِ بِطَريقَةٍ مَرئِيَّةٍ وَمَلموسَةٍ إِلَى السَّماءِ عَلى مَرأى الرُّسُل، وَهذا يَعني أَنَّهُ لَمْ يُدفَنْ، وَلَمْ يَعرِفْ جَسَدُهُ الفَسادَ. ثانِيًا، يُبَيِّنُ بَدءَ التَّحَوُّلِ في نَوعِيَّةِ وَأُسلوبِ عَلاقَةِ الرُّسُلِ بِالرَّبّ، إِذْ نَراهُم يَسجُدونَ لَهُ بِكُلِّ وَقارٍ وَمَخافَةٍ وَعِبادَةٍ حَقَّةٍ، وَهذا الأَمرُ يُثَبِّتُ لِلكَنيسَةِ إِيمانَ الرُّسُلِ أَنَّ يَسوعَ هُوَ إِنسانٌ حَقٌّ وَإِلَهٌ حَقٌّ.
عِندَما نَأتي إِلَى بُعدِ الرِّسالَةِ الَّتي سَلَّمَها الرَّبُّ يَسوعُ لِرُسُلِهِ نَجِدُها تَتَضَمَّنُ أَربَعَةَ أَقسامٍ في وَحدَةٍ مُتَكامِلَةٍ: الذَّهابُ دائِمًا نَحوَ الآخَرِ بِشَكلٍ مُطلَقٍ، إِنْ كَأَفرادٍ أَو جَماعاتٍ، وَلَيسَ فَقَط تُجاهَ الخِرافِ الضّالَّةِ مِنْ آلِ إِسرائيل. هذا الأَمرُ يُظهِرُ قيمَةَ الآخَرِ بِكُلِّ ما يَختَزِنُ مِنْ إِرثٍ وَثَقافَةٍ وَهُوِيَّةٍ وَانتِماءٍ، وَأَهَمِّيَّةَ بِناءِ عَلاقَةٍ مَعَهُ. هذا الإِرسالُ جَعَلَ مِنَ المَسيحيَّةِ دَعوَةً مَفتوحَةً لِلجَميعِ مِنْ دونِ أَيِّ استِثناءٍ، تَمامًا كَما هُوَ اللهُ في ذاتِهِ لِلجَميعِ مِنْ دونِ أَيِّ استِثناءٍ. التَّتَلْمُذُ: بَعدَما تَتَلمَذَ الرُّسُلُ لِلرَّبِّ مُدَّةَ ثَلاثِ سَنَواتٍ، أَصبَحَ عَلَيهِم أَنْ يُتَلمِذوا لِلرَّبِّ تَلاميذَ جُدُدًا وَفقًا لِاختِبارِهِم وَلِشَهادَتِهِم الحَيَّةِ. المَعمودِيَّةُ: عَلى الرُّسُلِ أَنْ يُعَمِّدوا لا بِاسمِهِمُ الشَّخصيِّ وَلا كَمُمارَسَةٍ طَقْسِيَّةٍ خاصَّةٍ بِجَماعَتِهِم النّاشِئَةِ حَديثًا، وَلَكِنْ بِاسمِ الآبِ وَالابنِ وَالرُّوحِ القُدُس، أَي بِاسمِ اللهِ الَّذي عَرَفوهُ بِيَسوعَ المَسيح، وَالغايَةُ مِنَ المَعمودِيَّةِ هِيَ الوِلادَةُ الجَديدَةُ وَالانْتِماءُ إِلَى مَلَكوتِ اللهِ. وَأَخيرًا يَدعوهُم لِيُعَلِّموا وَصاياهُ، وَالَّتي أَصبَحَتْ لَنا اليَومَ الإِنجيلَ المُدَوَّنَ وَالمَكتوبَ.
مِنَ المُلفِتِ جِدًّا أَنَّ رِسالَةَ الرَّبِّ يَسوعَ لَمْ تَبدَأْ بِالتَّعليمِ الَّذي يَجعَلُ الأُستاذَ أَرفَعَ مَرتَبَةً مِنَ التِّلميذِ، وَحَرفَ النُّصوصِ أَهَمَّ مِنْ رُوحِ المُتَلَقّي، بَلْ بَدَأَتْ قَبلَ أَيِّ شَيءٍ مِنَ اللِّقاءِ مَعَ الآخَرِ. هذا ما نَتَعَلَّمُهُ: أَنَّ المَسيحيَّةَ هِيَ عَيشُ سِرِّ المَسيحِ الحَيِّ وَالحاضِرِ قَبلَ كُلِّ شَيءٍ، وَهذا ما نَجِدُهُ واضِحًا كَمِثالٍ حَيٍّ مِنْ خِلالِ زِيارَةِ مَريَمَ العَذراءِ لِنَسيبَتِها أَليصاباتَ. المُلفِتُ أَيضًا كَيفَ لِلتَّلمَذَةِ أَنْ تَتَحَقَّقَ قَبلَ التَّعليم؟! الجَوابُ واضِحٌ وَصَريحٌ عَنْ طَريقِ المِثالِ وَالشَّهادَةِ الصّالِحَةِ، فَسُلطانُ المَسيحِ سَيَفعَلُ بِالرُّسُلِ تَأثيرًا بِالآخَرينَ فَيَنجَذِبوا إِلَيهِم، وَعِندَئِذٍ تُصبِحُ المَعمودِيَّةُ، الَّتي هِيَ مُختَصَرُ مَوتِ وَقِيامَةِ الرَّبِّ يَسوعَ، هِيَ السِّرَّ المُقَدَّسَ الَّذي حَوَّلَ الرُّسُلَ وَالَّذي يُحَوِّلُ التَّلاميذَ الجُدُدَ وَالمَوعوظينَ الجُدُدَ إِلَى أَبناءٍ وَبَناتٍ للهِ الآبِ بِالابنِ الوَحيدِ يَسوعَ المَسيحِ وَبِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ.
اِنطِلاقًا مِنْ هُنا أَصبَحَتْ وَصِيَّةُ يَسوعَ: “عَلِّموهُم أَنْ يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم بِهِ” هِيَ اختِبارَهُم لِلرَّبِّ الَّذي أَصبَحَ لِلكَنيسَةِ النّاشِئَةِ وَلِأَجيالِها اللّاحِقَةِ هُوَ الإِنجيلُ المُدَوَّنُ. وَأَعظَمُ أَمرٍ في رِسالَةِ الرَّبِّ يَسوعَ عِندَ صُعودِهِ قَولُهُ: “هاءَنذا مَعَكُم طَوالَ الأَيّامِ إِلَى نِهايَةِ العالَمِ”. فَالمَسيحُ الصّاعِدُ إِلَى السَّماءِ لَيسَ شَخصًا مِنَ الماضي، لَكِنَّ صُعودَهُ تَمَّ في التّاريخِ الماضي، وَلَيسَ هُوَ شَخصًا نَنْتَظِرُهُ في المُستَقبَل، بَلْ هُوَ الَّذي يُحدِثُهُ الآنَ وَهُنا في الحاضِرِ، وَلَكِنْ لَيسَ بِأَصابِعِ يَدَيهِ وَلا بِصَوتِ فَمِهِ وَلا بِوَطأَةِ قَدَمَيهِ، إِنَّما مِنْ خِلالِ كَنيسَتِهِ، أَي جَسَدِهِ السِّرِّيِّ في هذا العالَمِ.
نَحنُ لا نَحتَفِلُ بِمَحَطَّةِ ذَهابِ الرَّبِّ يَسوعَ مِنْ وَسَطِنا وَلا بِانفِصالِهِ عَنَّا، في وَقتٍ دَعانا فيهِ لِنَمضي دائِمًا نَحوَ اللِّقاءِ بِبَعضِنا البَعضِ. نَحنُ لا نَحتَفِلُ بِصُعودِهِ إِلَى السَّماءِ كَمَحَطَّةٍ نِهائِيَّةٍ وَمَفصَلِيَّةٍ في تاريخِهِ الإِنسانيِّ، وَلَكِنْ نَحنُ نَحتَفِلُ بِمُكوثِهِ الدّائِمِ مَعَنا، وَفي الوَقتِ عَينِهِ بِجُلوسِهِ عَنْ يَمينِ الآبِ، لَيسَ فَقَط كَابنٍ مُساوٍ لَهُ في الجَوهرِ، بَلْ كَدَيّانٍ عَلى الأَحياءِ وَالأَمواتِ، لأَنَّهُ قَدْ نالَ كُلَّ سُلطانٍ في السَّماءِ وَالأَرضِ. صُعودُ الرَّبِّ يَسوعَ أَصبَحَ لَنا عيدًا، لأَنَّهُ أَصبَحَ مَصعَدَنا الدّائِمَ الَّذي يَرفَعُنا إِلَى مَجدِ الآبِ، وَالَّذي يُدخِلُنا في مَلَكوتِهِ عَنْ طَريقِ ذَهابِنا نَحوَ الآخَرِ المُطلَقِ الَّذي فينا وَفي الإِنسانِ المُختَلِفِ عَنَّا، وَيَجعَلُنا تَلاميذَ دائِمينَ لَهُ يُتَلمِذونَ بِأَعمالِ المَحَبَّةِ، وَيُعَلِّمونَ الإِنجيلَ بِعَيشِهِ، لأَنَّنا بِالمَعمودِيَّةِ أَصبَحنا أَبناءً وَبَناتًا للهِ فيهِ، وَشُرَكاءَ مَعَهُ في الميراثِ الأَبَدِيِّ. آمين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام





