موقع Allah Mahabba لَيسَ الوَاجِبُ ما يَجعَلُنا نُتَمِّمُ مَشِيئَةَ اللهِ بَل هُوِيَّتُنا!
عِندَما يَرجِعُ كُلٌّ مِنَّا إِلى بِيئَتِهِ الخاصَّةِ وَإِلى مُجتَمَعِهِ الخاصِّ، وَيَتَوَقَّفُ أَمامَ ما يَنتَظِرُهُ العالَمُ مِنهُ، يَجِد كُلُّ واحِدٍ مِنَّا أَنَّهُ مَدعُوٌّ لِيَقومَ بِالأَفضَلِ، وَأَن يَسعى لِعَمَلِ الخَيرِ، وَأَن يَكونَ ذا قِيمَةٍ مُضافَةٍ عَلَى المُستَوَى الأَخلاقِيِّ. المُجتَمَعُ لا يَرحَمُ مَن يُسِيءُ التَّصَرُّفَ، فَيُنعَتُ وَيُوَصَّفُ وَفقًا لِأَعمالِهِ المُشِينَةِ وَالسَّيِّئَةِ. كَم مِنَ النَّاسِ أَصبَحُوا ضَحايا التَّنَمُّرِ بِسَبَبِ خَطِيئَةٍ ما أَو خَطَأٍ أَو نَقصٍ أَو زَلَّةٍ صَدَرَت مِنهُم؟ لِلأَسَفِ الشَّديدِ، أَصبَحَ كُلُّ واحِدٍ مِنَّا يُعَرِّفُ عَن ذاتِهِ تَمامًا مِثلَما تَعَرَّفَ عَلَى نَفسِهِ مِن خِلالِ المُجتَمَعِ، وَدائِمًا نَربُطُ هُوِيَّتَنا وَمَن نَحنُ بِما نَقومُ بِهِ مِن عَمَلٍ وَوَظيفَةٍ وَخِدمَةٍ، وَلِهَذا الأَمرِ تَبِعاتٌ قَوِيَّةٌ عَلَى انفِتاحِنا عَلَى مَعرِفَةِ وَإِتمامِ مَشِيئَةِ اللهِ، وَكَأَنَّها دَعوَةٌ لِلقِيامِ بِعَمَلٍ إِضافِيٍّ خارِجًا عَنَّا، وَكَأَنَّها تَقديمُ خِدمَةٍ مِن قِبَلِنا، وَلَيسَت بِالأَمرِ الَّذي يَعني هُوِيَّتَنا.
يُقَدِّمُ لَنا الرَّبُّ يَسوعُ في إِنجيلِهِ المُقَدَّسِ مَثَلَ ابنَينِ طَلَبَ مِنهُما والِدُهُما أَن يَذهَبا إِلى كَرمِهِ، أَي أَيضًا إِلى كَرمِهِما، وَيَعمَلا هُناكَ. واحِدٌ أَجابَ نَعَم وَلَم يَذهَب، وَالآخَرُ أَجابَ لا وَمِن ثُمَّ عادَ وَذَهَبَ. انطِلاقًا مِن هَذَينِ المَوقِفَينِ يَتَوَجَّهُ الرَّبُّ إِلى كُلِّ واحِدٍ مِنَّا لِنُجيبَ بِدَورِنا عَلَى طَلَبِهِ هذا. قَبلَ أَن نُجيبَ، عَلَينا أَن نَأخُذَ العِبرَةَ مِنَ المَثَلِ بَدءًا مِن تَفكيرِنا حَولَ الأَسبابِ الَّتي قَد تَدفَعُنا لِقَولِ نَعَم وَبَعدَها نَتَراجَعُ، أَو لِقَولِنا لا وَبَعدَها نُصَحِّحُ جَوابَنا.
مِن أَكثَرِ وَأَكبَرِ الأَسبابِ الَّتي تَمنَعُنا عَن مَعرِفَةِ مَشِيئَةِ اللهِ أَوِ التَّجاوُبِ مَعَها هُوَ جَهلُنا لِهُوِيَّتِنا الحَقيقِيَّةِ وَلِمَن هُوَ اللهُ في ذاتِهِ. عِندَما نَتَقَبَّلُ هُوِيَّتَنا الشَّكلِيَّةَ المَنُوطَةَ بِالمُجتَمَعِ، نَبقَى خاضِعِينَ لِلمُجتَمَعِ وَلِمَقاييسِهِ الَّتي تَدفَعُنا بِاتِّجاهِ المَصلَحَةِ المادِّيَّةِ أَوِ المَعنَوِيَّةِ أَوِ العاطِفِيَّةِ أَوِ السُّلطَوِيَّةِ، وَبِالتَّالِي يُصبِحُ تَفكيرُنا الباطِنِيُّ نَحوَ مَشِيئَةِ اللهِ الَّتي نَجهَلُها أَنَّها قَد تُفقِدُنا حُرِّيَّتَنا وَفَرَحَنا وَسَلامَنا وَلا تُؤَدِّي إِلى خَيرِنا، لا بَل تَجعَلُنا خُدَّامًا وَعَبيدًا لِإِلَهٍ يُريدُ أَن يَفرِضَ مَشِيئَتَهُ عَلَينا. مَعَ هَذا النَّوعِ مِنَ التَّفكيرِ يَستَحيلُ عَلَينا أَن نَقبَلَ مَشِيئَةَ اللهِ، وَبِالتَّالِي يُصبِحُ جَوابُنا بادِئَ ذي بَدءٍ نَعَم عَلَى المُستَوَى الأَخلاقِيِّ وَعَلَى مُستَوَى القِيَمِ وَالمَبادِئِ وَالأُسُسِ وَالأَعرافِ الإِنسانِيَّةِ، أَمَّا عَلَى مُستَوَى القَلبِ فَنَجِدُ أَنفُسَنا نَنحازُ إِلى الأَهواءِ وَإِلى الشُّرورِ وَإِلى كُلِّ نَقِيضٍ لَها، وَهَذا ما يُمَثِّلُ واقِعَ الابنِ الَّذي قالَ نَعَم وَمِن ثُمَّ تَراجَعَ. هَذا ما يُمَثِّلُ واقِعَ كَثيرٍ مِنَ المَسيحِيِّينَ الَّذينَ يُمارِسُونَ إِيمانَهُم عَلَى المُستَوَى الخارِجِيِّ مِن واجِباتٍ طُقُوسِيَّةٍ وَعِباداتٍ أَصبَحَت ذاتَ مَنحًى اجتِماعِيٍّ، وَلَكِن قَلبُهُم بَعيدٌ عَنِ الرَّبِّ.
مِن جِهَةٍ ثانِيَةٍ، نَجِدُ أُناسًا يَرفُضُونَ في قَرارَةِ نُفُوسِهِم أَن يَخضَعُوا لِنِظامٍ ما، اجتِماعِيٍّ كانَ أَم رُوحِيٍّ أَو سِياسِيٍّ… فَهُم ثَورَوِيُّونَ يَعتَبِرُونَ أَنَّهُم بِقَولِهِم لا يُحَقِّقُونَ أَنفُسَهُم، وَأَنَّهُم لَيسُوا مِمَّن يَسيرُونَ وَفقًا لِتَيَّارِ الأَكثَرِيَّةِ. يَهوَونَ الأَنا وَالشَّخصانِيَّةَ أَكثَرَ مِن أَن يَكُونُوا أَرقامًا بَينَ الأَرقامِ وَخِرافًا بَينَ القَطيعِ. بَعضُهُم يَستَمِرُّ عَلَى هَذا المَنحَى دُونَ مُراجَعَةٍ لِلذَّاتِ، وَبَعضُهُمُ الآخَرُ يَرفُضُونَ بادِئَ الأَمرِ لِكَي يَتَمَكَّنُوا مِنَ التَّمييزِ وَالتَّفكيرِ، وَبَعدَ ذَلِكَ نَجِدُهُم يُصَحِّحُونَ مَسارَهُم وَيَبلُغُونَ الغايَةَ. العِبرَةُ مِن ذَلِكَ لَيسَ كَيفَ نَبدَأُ مَسارَ حَياتِنا عَلَى المُستَوَى الشَّكلِيِّ، إِنَّما ما هُوَ المُحَفِّزُ الَّذي يَدفَعُنا لِنَقولَ نَعَم أَو لا وَكَيفَ يَتَّجِهُ؟ مَعَ الابنِ الثّانِي الَّذي رَفَضَ العَمَلَ بِكَرمِ أَبيهِ وَمِن ثُمَّ عادَ عَن قَرارِهِ، وَالَّذي يُمَثِّلُ بِوَجهٍ مُباشِرٍ الزُّناةَ وَالخَطَأَةَ وَالبَغايا الَّذينَ تابُوا، نَكتَشِفُ أَهَمِّيَّةَ تَلَقِّي هُوِيَّتِنا الحَقيقِيَّةَ مِنَ اللهِ لا مِن أَيِّ أَحَدٍ سِواهُ. فَبَعدَما كانوا زُناةً وَخَطَأَةً يُشارُ إِلَيهِم بِتَنَمُّرٍ مِنَ المُجتَمَعِ، أَصبَحُوا قِدِّيسينَ وَشُهُودًا لِلبُنُوَّةِ لِلهِ الآبِ. مِن بَينِهِم مَثَلًا مَريَمُ المَجدَلِيَّةُ وَمَتّى العَشّارُ وَبولُسُ وَأوغُسطينُسُ وَفَرَنسيسُ الأَسِّيزيُّ وَسِواهُم كُثُرٌ…
إِذا أَرَدنا أَخذَ العِبَرِ لِحَياتِنا، عَلَينا أَن نَتَنَبَّهَ أَنَّ الرَّبَّ لا يَنتَظِرُ مِنَّا إِرضاءَهُ عَلَى مُستَوَى الواجِبِ تَمامًا مِثلَما فَعَلَ الابنُ الأَكبَرُ الَّذي عاشَ طَوالَ حَياتِهِ مَعَ أَبيهِ وَلَم يَكتَشِف مَحَبَّتَهُ، وَلا مُسايَرَتَهُ بِقَولِنا نَعَم وَمِن ثُمَّ نَعمَلُ بِحَسَبِ شَرِّ إِرادَتِنا الذّاتِيَّةِ، وَلا أَن نَكُونَ مِثلَ الفَرِّيسِيِّينَ صُورَةً جَمِيلَةً لا مَضمُونًا حَقيقِيًّا. لِكَي نَستَطيعَ أَن نَعمَلَ مَشِيئَةَ اللهِ في حَياتِنا، عَلَينا أَن نُدرِكَ أَنَّنا فَقَط مِن خِلالِ تَتمِيمِها نُحَقِّقُ أَنفُسَنا الحَقيقِيَّةَ، وَأَنَّ التِزامَنا الرُّوحِيَّ وَالأَخلاقِيَّ وَالإِنسانِيَّ لَيسَ واجِبًا أَو نِظامًا يَفرِضُهُ عَلَينا المُجتَمَعُ بِشَرائِعِهِ وَمُحَرَّماتِهِ، بَل هُوَ تَجسيدٌ لِحَقيقَةِ هُوِيَّتِنا، أَنَّنا بِيَسوعَ المَسيحِ نَحنُ أَبناءُ اللهِ الخاصُّونَ، وَكَرامَتُهُ مِن كَرامَتِنا، وَكَرامَتُنا مِن كَرامَتِهِ.
لَقَدِ اعتَدنا التَّفكيرَ أَنَّ التَّوبَةَ الحَقيقِيَّةَ هِيَ حَربٌ مَعَ الذّاتِ لِإِخضاعِها لِعَمَلِ كُلِّ شَيءٍ جَيِّدٍ، فَنُصَحِّحُ سُلوكَنا الخارِجِيَّ وَنُبقِي عَلَى مَرَضِ الخَطيئَةِ في قُلوبِنا، وَلَكِنِ التَّوبَةُ الحَقيقِيَّةُ هِيَ التَّحَوُّلُ إِلى حَقيقَةِ أَنفُسِنا الَّتي خُلِقَت وَوُجِدَت وَدُعِيَت لِتَكونَ عَلَى صُورَةِ اللهِ، وَعِندَئِذٍ يُصبِحُ العَمَلُ بِمَشِيئَةِ اللهِ شُغلَنا الشّاغِلَ. آمين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام





