تابعونا على صفحاتنا

مقالات

القَلبُ الوَديعُ وَالمـُتَواضِع الَّذي أَحَبَّ العالَم!

عِندَما نَتَكَلَّمُ عَنِ القَلبِ نَتَكَلَّمُ عَنِ اليُنبوعِ وَالمَصدَرِ وَالجَوهَرِ وَالأَساسِ. يَختَصِرُ القَلبُ كُلَّ شَيءٍ، وَلا يوجَدُ شَيءٌ مِنْ دونِ قَلبٍ، فَهوَ بِمَثابَةِ المَصدَرِ وَالمَرجَعِ. في حَياةِ الإِنسانِ لا يُقتَصَرُ القَلبُ بِبُعدِ العاطِفَةِ أَو مُحَرِّكِ الدِّينامِيَّةِ الدَّمَوِيَّةِ في الجَسَدِ، إِنَّما يُعنى بِهِ صَميمُ جَوهَرِ الإِنسانِ. مَتى عَرَفَ الإِنسانُ قَلبَهُ عَرَفَ في الوَقتِ عَينِهِ خالِقَهُ، فَالأَمرانِ مُتَكامِلانِ مَعَ بَعضِهِما البَعضَ.
نَسْمَعُ الرَّبَّ يَسوعَ في الإِنجيلِ يَقولُ لَنا: «إِنِّي وَديعٌ وَمُتَواضِعُ القَلبِ». فَهُنا يَسوعُ يَكشِفُ لَنا أَنَّهُ في بُعدِهِ وَطَبيعَتِهِ الإِنسانِيَّةِ قَدْ بَلَغَ إِلى قَلبِهِ وَعَرَفَهُ، وَفي الآنِ مَعًا كَشَفَ لَنا عَنْ قَلبِهِ الإِلَهيِّ الوَديعِ وَالمُتَواضِعِ. مَنْ قالَ إِنَّ اللهَ جَبَروتٌ وَقُدرَةٌ وَقُوَّةٌ وَتَسَلُّطٌ وَنُفوذٌ؟! فَمَعَ يَسوعَ قَدْ عَرَفناهُ مَحَبَّةً وَديعَةً وَمُتَواضِعَةَ القَلبِ. مَنِ الَّذي لَدَيهِ قَلبٌ وَديعٌ وَيَحكُمُ وَيَدينُ النَّاسَ جَورًا؟! مَنِ الَّذي لَدَيهِ قَلبٌ مُتَواضِعٌ وَلا يَقبَلُ ضِعَةَ النَّاسِ وَأَصغَرِيَّتَهُم وَهَشاشَتَهُم وَضُعفَهُم وَخَطيئَتَهُم وَنَقصَهُم؟ مَعَ يَسوعَ الوَديعِ وَالمُتَواضِعِ القَلبِ نَكتَشِفُ أَنَّنا عِندَهُ دائِمًا مُرَحَّبٌ بِنا، وَدائِمًا نَشعُرُ أَنَّنا مَحبوبونَ لِلغايةِ مِنْهُ، وَهَذِهِ هِيَ الحَقيقَةُ.
بَعدَما رَجَعَ التَّلاميذُ مِنْ أَوَّلِ رِسالَةٍ كَلَّفَهُم بِها الرَّبُّ، نَسْمَعُهُ يَحمَدُ الآبَ بِصَوتٍ عالٍ، لِأَنَّ تَلاميذَهُ الصِّغارَ أَصبَحوا أَرفَعَ شَأنًا مِنَ المُتَكَبِّرينَ وَالأَذكِياءِ وَالحُكَماءِ، فَقَط لِأَنَّهُم آمَنوا بِما أَعطاهُم مِنْ سُلطانٍ وَصَدَّقوا أَنَّهُ حَقًّا ابنُ اللهِ، وَبِاسمِهِ أَجرَوا الشِّفاءاتِ. في صَدى كَلامِهِ يُؤَكِّدُ لَنا أَنَّنا لَنْ نَستَطيعَ أَنْ نَعرِفَهُ وَنَعرِفَ الآبَ مِنْ دونِ دُخولِنا في حَلَقَةِ عَلاقَةِ المَحَبَّةِ الَّتي تَربِطُهُما وَالَّتي تَجعَلُ مِنَّا أَبناءً وَبَناتٍ للهِ بِالرُّوحِ القُدُسِ. نَحنُ مَدعُوُّونَ لِنُصَوِّبَ نَظَرَنا إِلى شَخصِ يَسوعَ وَإِلى إِنسانِيَّتِهِ الَّتي تَجذِبُنا وَتَقودُنا إِلى مَعرِفَةِ اللهِ الآبِ.
يَعلَمُ يَسوعُ جَيِّدًا كَمْ لَدَينا مِنَ الجِراحِ وَالصُّعوباتِ وَالأَمراضِ الرُّوحِيَّةِ وَالعَقَباتِ التَّشريعيَّةِ وَالحَرفِيَّةِ الَّتي تَمنَعُنا وَتَفصِلُنا عَنْ قَبولِ مَحَبَّتِهِ وَشِفائِهِ وَتَحريرِهِ لَنا. لِذَلِكَ نَسْمَعُهُ يَدعونا لِنَأتيَ إِلَيهِ كَما نَحنُ، وَهوَ يُعامِلُنا بِما عَلَيهِ هُوَ مِنْ مَحَبَّةٍ وَرَحمَةٍ وَغُفرانٍ. هُوَ يَدعونا لِنَستَريحَ فيهِ، فَهوَ الرَّاحَةُ العَذبَةُ الَّتي لا تُوصَفُ أَبَدًا. رُبَّما يَصعُبُ عَلَينا تَحديدُ ما لَدَينا مِنْ هُمومٍ وَأَحمالٍ تُرهِقُنا، وَلَكِنْ عَلَينا أَنْ نَقبَلَ دَعوَةَ يَسوعَ لَنا وَنَمضيَ إِلَيهِ، فَاللِّقاءُ بِهِ كافٍ لِيُريحَنا.
غالِبًا ما نَظُنُّ أَنَّ عَلاقاتِنا وَحَياتِنا الإِجتِماعِيَّةَ وَواقِعَنا الإِنسانيَّ هُوَ السَّبَبُ الرَّئيسيُّ لِتَعَبِنا وَإِرهاقِنا، وَلَكِنْ يوجَدُ الكَثيرُ مِنَ التَّعقيداتِ الدَّاخِلِيَّةِ ذاتِ البُعدِ الرُّوحيِّ وَالنَّفسيِّ الَّتي تُقَيِّدُنا قَبلَ أَيِّ قَيدٍ جَسَديٍّ. لِهذا السَّبَبِ عَينِهِ، لِكَيْ نَعرِفَ وَنَختَبِرَ حُرِّيَّةَ أَبناءِ اللهِ، يَدعونا الرَّبُّ يَسوعُ لِنَحمِلَ نيرَهُ وَنَتَتَلمَذَ لَهُ. لِأَنَّ كَلامَهُ روحٌ وَحَياةٌ، وَكَما جَعَلَ الرُّسُلَ أَطهارًا وَأَحرارًا بِفَضلِ كَلامِهِ، هُوَ يُحَرِّرُنا مَتى وَضَعنا كَلامَهُ الحَقَّ كَالنِّيرِ عَلى أَعناقِنا وَتَتَلمَذنا لَهُ. ما يَصنَعُهُ الرَّبُّ يَسوعُ مَعَنا عَنْ طَريقِ كَلامِهِ الحَيِّ لَنا، هُوَ أَنَّهُ يُحَوِّلُنا مِنْ عَديمي الفائِدَةِ وَحالَةِ العَبيدِ لِأَفكارِنا وَمُعتَقَداتِنا الخاطِئَةِ إِلى أَشخاصٍ أَحياءٍ وَأَحرارٍ. هُوَ يُحَوِّلُنا مِنْ ذَوي قُلوبٍ قاسِيَةٍ عَنيدَةٍ ذاتِ نَوايا شِرِّيرَةٍ وَمُنحَرِفَةٍ إِلى وُدَعاءَ وَمُتَواضِعي القُلوبِ. وَهَلْ مِنْ قَلبٍ وَديعٍ وَمُتَواضِعٍ لا يَعرِفُ الفَرَحَ وَالحُبَّ وَالسَّلامَ؟!
لَنْ تُشفى قُلوبُنا وَلَنْ تَتَحَرَّرَ أَبَدًا إِذا لَمْ تَعرِفْ وَداعَةَ الرَّبِّ يَسوعَ، فَبِهِما شِفاؤُنا الحَقيقيُّ، الَّذي يَجعَلُنا نَتَصالَحُ مَعَ أَنفُسِنا وَمَعَ الآخَرينَ وَنَقبَلَ الغُفرانَ. مِنَ المُهِمِّ جِدًّا أَنْ نَتَأَمَّلَ بِوَداعَةِ الرَّبِّ يَسوعَ، فَهُوَ الَّذي قالَ فيهِ يُوحَنَّا المَعمَدانُ: «هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَمِ». لَطالَما وُصِفَتِ الوَداعَةُ بِصورَةِ الحَمَلِ، وَالحَمَلُ في الكِتابِ المُقَدَّسِ هُوَ رَمزٌ لِلذَّبيحَةِ المَرضِيَّةِ لَدى اللهِ. وَاللهُ لا يُريدُ الذَّبائِحَ وَالمُحرَقاتِ، بَلْ قُلوبًا مُنسَحِقَةً وَمُتَواضِعَةً وَوَديعَةً. هَكَذا نَكتَشِفُ مَعَ يَسوعَ المَصلوبِ كَيفَ أَنَّنا مَرضاةُ الآبِ، وَكَيفَ وَداعَتَهُ تَغفِرُ لَنا آثامَنا وَتَدفَعُنا إِلى التَّوبَةِ الحَقَّةِ.
لَنْ تُشفى قُلوبُنا وَلَنْ تَتَحَرَّرَ أَبَدًا إِذا لَمْ تَعرِفْ تَواضُعَ الرَّبِّ يَسوعَ الَّذي يَعلو جِدًّا عَلى كُلِّ تَواضُعٍ إِنسانِيٍّ. الإِنسانُ المُتَواضِعُ هُوَ مَنْ يَعرِفُ حَقيقَتَهُ وَهُوَ عَدَمٌ وَيَحفَظُها، فَلا يَتَعالى لا عَلى اللهِ وَلا عَلى أَيِّ خَليقَةٍ في العالَمِ، بَينَما تَواضُعُ الرَّبِّ يَسوعَ يَعني حَقيقَتَهُ بِما هُوَ عَلَيهِ في أُلوهِيَّتِهِ، وَهُوَ الحَقُّ وَالحَياةُ وَالمَحَبَّةُ الأَزَلِيَّةُ، مِمَّا جَعَلَهُ يُحَوِّلُ تَواضُعَهُ الإِلَهيَّ إِلى فِعلِ إِخلاءٍ وَبَذلٍ لِلذَّاتِ، فَاتَّخَذَ صورَةَ عَبدٍ وَماتَ عُريانًا فَقيرًا وَعَطشانًا عَلى الصَّليبِ. عِندَما نَسمَعُ يَسوعَ يَقولُ لَنا عَنْ ذاتِهِ إِنَّهُ الوَديعُ وَالمُتَواضِعُ القَلبِ، فَهُوَ يَمضي بِنا إِلى صَميمِ قَلبِ الثَّالوثِ الأَقدَسِ لِيُعلِنَ لَنا عَنْ عَظَمَةِ مَحَبَّتِهِ اللَّامَحدودَةِ وَالَّتي جَعَلَتْهُ دائِمًا مَعَنا حَيًّا وَحاضِرًا فِعلًا في القُربانِ المُقَدَّسِ. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام