تابعونا على صفحاتنا

مقالات

أَعطانا يَسوع ما لَن يُعطِينا إِيَّاهُ أَحَد وَما لَم نَستَطِع وَحدنا الحُصولَ عَلَيه

لَيسَ الإِيمانُ المَسيحيُّ بِعَقيدَةٍ لاهوتِيَّةٍ وَفَلسَفِيَّةٍ تُعرَضُ عَلَينا وَنَحنُ لَدَينا صَلاحِيَّةُ وَحُرِّيَّةُ الرَّفضِ أَمِ القَبولِ. لَيسَت غايَةُ الإِيمانِ المَسيحيِّ إِقناعَ العَقلِ بِمَنطِقٍ خاصٍّ أَو أُسلوبِ حَياةٍ يَروقُ لِبَعضِ النّاسِ أَن يَعِيشوهُ. لَيسَ الإِيمانُ المَسيحيُّ بِفَلسَفَةِ وُجودٍ وَنَظرَةٍ لِلحَياةِ بِكُلِّ أَبعادِها الماوَرائِيَّةِ أَمِ المَلموسَةِ. الإِيمانُ المَسيحيُّ هُوَ فِعلٌ مِن أَفعالِ الرُّوحِ القُدُسِ وَلا يَنفَصِلُ عَنهُ أَبَدًا وَلا يَعمَلُ بِدونِهِ أَبَدًا. مِن دونِ الرُّوحِ القُدُسِ لا نَستَطيعُ أَن نُؤمِنَ بِكُلِّ مُقَوِّماتِ الإِيمانِ المَسيحيِّ. مِن دونِ الرُّوحِ القُدُسِ يَتَحَوَّلُ الإِيمانُ المَسيحيُّ إِلى طَرحٍ فَلسَفِيٍّ إِلى جانِبِ فَلسَفاتِ وَمُعتَقَداتِ الأَديانِ الأُخرى. الإِيمانُ المَسيحيُّ هُوَ فِعلٌ مِن أَفعالِ الرُّوحِ القُدُسِ لِأَنَّهُ يُحيي المُؤمِنَ بِحُضورِ الرَّبِّ يَسوعَ وَيَجعَلُهُ يَختَبِرُ قُوَّةَ الفَضائِلِ الإِلَهِيَّةِ: الإِيمانِ وَالرَّجاءِ وَالمَحَبَّةِ.
حَدَثُ قِيامَةِ الرَّبِّ يَسوعَ مِن بَينِ الأَمواتِ أَحدَثَ صَدمَةً وُجودِيَّةً لِلتَّلاميذِ، وَلَم يَكُن أَمرًا يَستَطيعُ العَقلُ البَشَرِيُّ أَن يَتَقَبَّلَهُ كَحَدَثٍ واقِعِيٍّ وَتارِيخِيٍّ وَمَنطِقِيٍّ وَحَقِيقِيٍّ مِن دونِ تَدَخُّلٍ سَماوِيٍّ إِلَهِيٍّ. لَم يُؤمِنِ الرُّسُلُ لِكَونِهِم فَقَط رَأَوُا الرَّبَّ بِجَسَدِهِ المُمَجَّدِ قائِمًا مِن بَينِ الأَمواتِ وَحَسبُ، بَل لِأَنَّهُم نالوا مِنهُ الرُّوحَ القُدُسَ الَّذِي بِواسِطَتِهِ أَدرَكوا مَعنى وَغايَةَ القِيامَةِ لِحَياتِهِم وَلِدَعوَتِهِم وَلِحَياتِهِم. هٰذا الأَمرُ يَدفَعُنا حَقِيقَةً لِنَسأَلَ أَنفُسَنا إِلى أَيِّ حَدٍّ إِيمانُنا الشَّخصِيُّ مَدفوعٌ بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ. هَل نَحنُ نُؤمِنُ بِقِيامَةِ الرَّبِّ يَسوعَ وَأَنَّهُ ابنُ اللهِ حَقًّا وَبِعَقيدَةِ الثّالوثِ الأَقدَسِ فَقَط لِكَونِنا وُلِدنا وَنَشَأنا في بِيئَةٍ مَسيحيَّةٍ وَكَنَسِيَّةٍ، أَم إِيمانُنا أَصبَحَ ناضِجًا لِأَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ يَعمَلُ في قُلوبِنا عَمَلَهُ الخَلاصِيَّ؟ الأَمرُ يَستَدعِي جَوابًا صَريحًا وَتَمييزًا رُوحِيًّا عَميقًا.
تُعَرِّفُ الكَنيسَةُ الكاثوليكيَّةُ الإِيمانَ أَنَّهُ نِعمَةٌ إِلَهِيَّةٌ وَفَضيلَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَفي الآنِ مَعًا تُؤَكِّدُ عَلى احتِرامِها المُطلَقِ لِحُرِّيَّةِ الإِنسانِ الَّذِي يَستَطيعُ أَن يَقبَلَهُ وَيَرفُضَهُ. لِأَنَّ اللهَ في جَوهَرِهِ مَحَبَّةٌ وَلِأَنَّ مَشيئَتَهُ وَتَدبيرَهُ الخَلاصِيَّ غايَتُهُما خَلاصُ الإِنسانِ، فَنِعمَةُ الإِيمانِ قَد أُفِيضَت بِالرَّبِّ يَسوعَ عَلَى الجَميعِ، وَبِالتّالِي أَصبَحَ الأَمرُ مُتَوَقِّفًا عَلى قَرارِ الإِنسانِ الَّذِي يَقبَلُ أَم يَرفُضُ بِحُرِّيَّتِهِ. يُؤَكِّدُ لَنا هٰذا الأَمرُ أَنَّ عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ هِيَ تَعمَلُ في حاضِرِ حَياةِ كُلٍّ مِنّا وَفقًا لِحِكمَتِها السّامِيَةِ، يَبقَى عَلَينا أَن نُدرِكَها وَنَتَجاوَبَ مَعَها وَنَقبَلَها وَعِندَئِذٍ تَستَيقِظُ قُلوبُنا عَلى قُوَّةِ الإِيمانِ الَّذِي يَجعَلُنا نَحيا في المَسيحِ.
صَحيحٌ أَنَّنا اليَومَ نَحنُ مَسيحيّونَ لِأَنَّ هُناكَ حَدَثًا قَد تَمَّ في التّارِيخِ وَهُوَ مَنوطٌ بِشَخصِ يَسوعَ النّاصِرِيِّ الَّذِي نُؤمِنُ أَنَّهُ المَسيحُ الَّذِي قامَ مِن بَينِ الأَمواتِ وَهُوَ ابنُ اللهِ حَقًّا، وَلٰكِنَّ رَكيزَةَ إِيمانِنا تَقومُ عَلى عَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ في الحاضِرِ. نَحنُ هُنا لا نَتَبَنّى أَبَدًا إِيمانًا بِمَثابَةِ حَضارَةٍ وَثَقافَةٍ بَينَ سائِرِ الحَضاراتِ وَالثَّقافاتِ، نَحنُ هُنا أَمامَ اختِبارِنا لِعَمَلِ الرُّوحِ القُدُسِ فينا.
لَقَد نَفَخَ الرَّبُّ يَسوعُ روحَهُ القُدُّوسَ في رُسُلِهِ وَمَيَّزَ حُضورَهُ الفاعِلَ بِسُلطانِ الغُفرانِ أَوَّلًا وَبَعدَها بِما أَجرَوا مِن عَجائِبَ وَمُعجِزاتٍ بِقُوَّتِهِ، وَما زالَ الفِعلُ نَفسُهُ مُستَمِرًّا في حَياةِ الكَنيسَةِ إِلى اليَومِ وَغَدًا. في اليَومِ الخَمسينَ أَي في عيدِ العَنصَرَةِ الَّذِي حَلَّ فيهِ الرُّوحُ القُدُسُ بِأَلسُنٍ مِن نارٍ، وَهُمُ الَّذِينَ كانَ قَد نَفَخَ فيهِم يَسوعُ روحَهُ القُدُّوسَ في عَشِيَّةِ قِيامَتِهِ وَعِندَ ظُهورِهِ الأَوَّلِ عَلَيهِم. عِندَما نَفَخَ فيهِم غَرَسَ فيهِم روحَهُ القُدُّوسَ، وَفي عيدِ العَنصَرَةِ، عيدِ الحَصادِ وَالبَواكيرِ، أَرادَ أَن يُبَيِّنَهُ بِذاتِ طَبيعَةٍ إِلَهِيَّةٍ لِأَنَّ النّارَ تَرمُزُ إِلى الرُّوحِ أَيضًا. يُؤَكِّدُ هٰذا الأَمرُ أَنَّ الرُّوحَ القُدُسَ الَّذِي نِلناهُ لَيسَ بِروحٍ عَقيمٍ، إِنَّهُ الأُقنومُ الثّالِثُ المُنبَثِقُ مِنَ الآبِ وَالابنِ، وَلَيسَت غايَتُهُ فَقَط مَعرِفَةَ الرَّبِّ يَسوعَ وَالاعتِرافَ بِهِ، بَل أَيضًا تَقديسَنا أَي تَحويلَنا كُلِّيًّا إِلَيهِ، لِمَن نُعلِنُهُ بِكَلِماتِنا أَنَّهُ الرَّبُّ القُدّوسُ.
فَقَط مِن خِلالِ نِعمَةِ وَعَطِيَّةِ وَقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُسِ نَتَحَوَّلُ إِلى الرَّبِّ يَسوعَ المَسيحِ الكَلِمَةِ المُتَجَسِّدِ، وَهٰذا الأَمرُ لَيسَتِ الغايَةُ مِنهُ أَن نُجرِيَ المُعجِزاتِ بِاسمِهِ وَإِن كانَ الأَمرُ مُمكِنًا فِعلًا، بَل أَن نَتَّحِدَ بِيَسوعَ اتِّحادًا وَثيقًا وَنَتَقَدَّسَ فيهِ، وَنُعطِيَ ثِمارَ الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ وَهِيَ المَحَبَّةُ، ذٰلِكَ لِأَنَّ المُعجِزاتِ هِيَ إِلى حينٍ وَالمَواهِبُ أَيضًا هِيَ إِلى حينٍ، وَهِيَ فَقَط لِخِدمَةِ المَحَبَّةِ الَّتِي أَرادَها الرَّبُّ في تَدبيرِهِ الخَلاصِيِّ أَعمالَ رَحمَةٍ. انطِلاقًا مِن هُنا نَفهَمُ لِماذا لُعِنَ سِمعانُ السّاحِرُ لِأَنَّهُ أَرادَ عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُسِ فَقَط بِهَدَفِ المُعجِزاتِ، وَمِن هُنا أَيضًا نُدرِكُ الإِغواءَ الَّذِي نَقَعُ فيهِ عِندَما نَشتَرِطُ عَلَى الرَّبِّ أَن يُجرِيَ في حَياتِنا المُعجِزاتِ وَنُطالِبُهُ بِها عِندَما أَحَدٌ يَمرَضُ أَو يَقَعُ في ضِيقٍ وَكَأَنَّ المُعجِزَةَ تَتَحَوَّلُ إِلى سِحرٍ، بَينَما عِندَما يَفعَلُ فينا الرُّوحُ القُدُسُ عَمَلَهُ الخَلاصِيَّ نَجِدُ أَنَّنا في كُلِّ شَيءٍ نَجِدُ حُضورَ اللهِ وَنَشعُرُ بِمَحَبَّتِهِ وَرَحمَتِهِ الَّتِي تَسمو عَلى كُلِّ شُعورٍ وَفِكرٍ وَمُعتَقَدٍ. الطُّوبى لَنا إِذا تَرَكنا الرُّوحَ القُدُسَ يُشعِلُنا بِنارِهِ فَنَتَّحِدَ بِيَسوعَ القائِمِ مِن بَينِ الأَمواتِ. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام