مقالات

مفتاح الفردوس

مفتاح الفردوس

ها رجل وديعٌ يقترب من نهر الأردنّ، يصطفّ مع الشعب ليعتمد. لا يُزاحم، لا ينتقد، لا يدين جموع الخطأة المجتمعة على ضفاف الأردنّ، ليُسكَبَ على رأسها حفنةُ ماءٍ من يدِ المعمدان. وأمام هذا المشهد الصامت، إذا بصوت صارخ في البرّيّة “هذا هو حمل الله، الّذي يرفع خطيئة العالم” (يو 1: 29)، وبصوتٍ آخر مدوًّ حتّى عمق أعماق الجحيم “هذا هو ابني الحبيب الّذي به رضيت” (متى 3: 17)، صوتٌ أيقظ آدم وحوّاء من سُباتِهما لأنّ الخلاص قريب (روم 13: 11).

يتميّز حدث العماد، بالتواضع؛ تواضع يوحنَّا المعمدان الّذي تتوافد إليه الجموع من اليهوديّة والشتات، ويعلن قائلًا “أنا لستُ أهلًا أن أحلّ سيور حذائه” (لو3: 16)؛ والتواضع الإلهي، تواضع ابن الله، الإله الكامل والإنسان الكامل، الّذي ارتضى حرًّا أن يعدّ في مصاف الخطأة، لا بل “أن يصبح خطيئةً” (2قور 5. 21) هو الّذي لم يعرف يومًا الخطيئة.

كيف لا يكون التواضع ميزة تلك اللحظة التاريخيّة الّتي شُرّعت فيها أبواب الفردوس للإنسان، فغلبت، روحَ الكبرياء، روحَ الحيّة القديمة الّتي سادت قلب آدم، وأقفلت باب الفردوس، وغشت عينيه قشورٌ صلبة، فباتَ غريبًا عن ذاته، وفريسةً للخليقة الّتي أقامه الله قيّمًا عليها.

منذ تلك الساعة، لم يألُ الإنسان جهدًا، مكرّسًا كلّ كبريائه، ليقتحم ذلك الباب ويغزو سكينة الفردوس ليسبي سلامه: نَحَتَ الخشب، والصخور، وزيّنها بالآذان وأقام لها المعابد، وحرق أمامها البخور، وقدّم لها الذبائح، وبنى الأبراج، ووضع الكتب وعبد حروفها، وسجد لحكمتها؛ وإذا بأبواب الفردوس الموصدة، منتظرة ذاك “القدّوس الّذي له مفتاح داود” (رؤ 3: 7) الّذي بتواضعه، “انفتحت السماوات وحلّ الروح القدس في صورة جسم كأنّه حمامة” (لو 3: 21).

في العماد، فُتحت السموات الّتي أوصدها كبرياء آدم وحواء. في العماد حلّ روح التواضع على الأرض، بعد أن سادها روح الكبرياء. في العماد تحرّرت الإنسانيّة من سجن “الأنا”، وبدأت مسيرة خروج للقاء الله الآب، بالابن، في الروح القدس.

نحن نعتمد بالمسيح، الوسيط الوحيد بين الله والإنسان، وبين السماء والأرض، الّذي به فُتحت أبواب الفردوس، وبه نلنا كلّ نعمة. معموديّتنا هي دخول بمعموديّته، وبنوّتنا ننالها ببنوّته، وروحه القدوس يُدخلنا في تواضعه البنويّ لله الآب.  

سرّ المعموديّة، هو سرّ الحبّ، سرّ تعلّم الحبّ كبذلٍ للذات، هو سرّ الدخول في تواضع الألوهة، الّتي لطالما بحث عنها آدم وحواء، ووجداها بالّذي قال عنه صوتٌ من السماء “هذا هو ابني الحبيب الّذي به رضيت” (متى 3: 17). 

تسجّل Subscribe على قناتنا على يوتيوب

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لقراءة مقال “مفتاح الفردوس” ندعوك لمشاركة هذا المقال مع أصدقائك ومتابعتنا على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك، انستغرام، يوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت. الله محبّة!

Avatar photo

الخوري شربل شدياق

كاهن في أبرشيّة بيروت المارونيّة.