تابعونا على صفحاتنا

مقالات

كونوا أصيلينَ أصلِيّينَ لا مُزَيَّفينَ مُرائينَ!

لَم تَكُنْ يَومًا مُواجَهَةُ الرَّبَّ مَعَ الفَرّيسيّين مُرَكَّزَة فَقَط عَلى الشّريعَة وَكَيفيَّةِ فَهمَها وَشَرحَها وَتَفسيرَها، بَل أَيضًا عَلى كَيفِيَّةِ مُمَارَسَتَها وَعَيشَها. انطِلاقًا مِنْ هُنا نَفهَم لماذا كانَت مُمارَسَة يَسوع لِفَهْمِهِ العَميق للشريعَة يُهَدِّد الفَرّيسيّين وَيَكشِف زَيفَهُم. لَقَد رَكَّزَ يَسوع طَوالَ مَسيرَتِهِ الرّسولِيَّة عَلى جَوهَر وَهَدَف وَغايَة الشَريعَة وَهو الوَصيَّة الكُبرى المُتَمَثَّلَة في مَحَبَّةِ اللهِ وَمَحَبَّةِ القَريب، بَينَما رَكَّزَ الفَرّيسيّون عَلى كَيفِيَّة تطبيق الشعائِر وَالطقوس في الحَياةِ اليَومِيَّة. رَكَّزَ يَسوعُ عَلى الباطِنِ فيما هُمْ رَكَّزوا عَلى الظاهِر. الباطِن لا أَحَدَ يَراهُ إلَّا اللهَ وَحدَهُ، أَمَّا الظاهِر فَهوَ عَلى مَرأًى مِنَ الجَميع وَبِالتَّالي يَنالُ مَديح النَّاس. فَلَم يَرضَ الرَّبَّ يَسوع أَن يَعيشَ لَحظَةً مِنْ حَياتِهِ بَعيدًا عَنْ حَقيقَةِ ذاتِهِ لِيُرضيَ النَّاسَ، بَينما الفَرّيسيُّون استَخدَموا الشّريعَة لِيَجعَلوها عَلى مَقاسِهِم بِحَيثُ دَفَعوا النَّاسَ لِيَروا فيهِم نَموذَجَ الكامِلِ وَالبار عَلى مُستَوى الشّكلِ وَالصورَة، أَمَّا حَياتَهُم لم تُعطِ ثِمارَ القَداسَة.
الفَخَّ الَّذي وَقَعَ فيهِ الفَرّيسيّون نَحنُ أَيضًا مُعَرَّضونَ لَهُ، وَقَدْ نَكونَ فَرّيسيّوا العَصرِ هذا لِأَنَّ روحَ العالَم وَبِخاصَّةٍ عَنْ طَريقِ وَسائِلِ التّواصُل وَالإِعلام هوَ مَنْ يُحَدِّد وَيُقَدِّم النّموذَج وَالمِثال للنَّاس وَكُلّ مَن يَنصُتَ لِهذا الرُّوح يُصبِحُ عَبدًا لِهذا النَّموذَج المـُزَيَّف وَالمـُرائيّ. إِذا عُدنا وَنَظَرَنا في مُجرياتِ حَقَباتِ التاريخ لِكُلِّ عَصرٍ نَموذَجَهُ الخاصّ. في القرونِ الوسطى مثلًا كانَت الصورة الأَمثَل للقداسَة مَنوطَة حَصرِيًّا في الإكليروس وَالحَياةِ الرُّهبانِيَّة أَمَّا اليَوم فَلا. في الحاضِر روحُ العالَم يُشَجِّع عَن طَريقِ وَسائِلِهِ المـُتُنَوِّعَة عَلى التَفَلُّت الأَخلاقي وَالتَّحَرُّر مِنَ الإِيمان وَالعَلاقَة بِالله، وَهذا ما يَجْعَلُنا نَفْهَم أَكثَر لِماذا صارَ الإنسانِ غَيرَ مُبالٍ بالإِلتِزامِ الكَنَسيّ وَغَيرَ مُكتَرِثٍ لدَعوَةِ اللهِ لَهُ لِيكونَ قدّيسًا.
انطِلاقًا مِنْ هُنا عَلَينا أَن نَحزَرَ مِنْ خَميرِ الفَرّيسيّين وَمِن روحِ العالَم الَّذي يَدفَعُنا لِنَكونَ نَسخَةً عَنهُ وَبِالتَّالي غُرَباءَ عَنْ أَنفُسِنا وَمَفصولينَ عَنِ الله. إِذا عُدنا إِلى تَعليمِ الرَّبَّ يسوع وَإِلى نَهجِ حَياتِهِ نَفهَم جَيِّدًا لِماذا انتَقَدَ الكَتَبَةَ وَالفَرّيسيّين لا لِيَدينَهُم، بَل تَحَسُّرًا عَلى واقِعِهِم، بَيَدِهِم الشَريعَة وَلَكِنَّها بَعيدَةً عَنْ قُلوبِهِم، عَلى أَلسِنَتِهِم كَلامُ اللهِ، أَمَّا أَفعالَهُم مُعاكِسَة، وَكَأَنَّهُم بِمَثابَةِ رِجالَ أَمنٍ وَقانون يُسقِطونَ فَهمَهُم للشّريعَة عَنْ طَريقِ إِدانَةِ النَّاسِ وَتَوجيهِهِم وَتَعليمِهِم. مِن هُنا نَفهَم جَيِّدًا أَنَّ كَلامَ اللهِ بِخاصَّةٍ مَعَ الرَّبَّ يَسوع لَيسَ المـُرادَ مِنْهُ التَعليمَ بالفَصاحَة وَالحِكمَة البَشَرِيَّة، بَلْ عَيش وَاختِبار النِّعمة الإِلَهيَّة الَّتي يُحَقِّقها الرُّوحُ القُدُس. مِن هُنا نَفهَم لِماذا دَعا يَسوع الجُموعَ وَتَلاميذَهُ لِيُمَيِّزوا بَينَ كَلامَ الكَتَبَةِ وَالفَرّيسيّين وَأَعمالَهُم، وَهذا ما عَلَينا أَن نَعمَلَهُ نَحنُ أَيضًا عَلَينا أَن نُمَيِّزَ بَينَ الإِنسانَ وَخَطيئَتَهُ، بَينَ هُوِيَّتَهُ وَأَفعالَهُ، بَينَ منَ نَحنُ أَمامَ الله وَما تَعكِسُهُ أَعمالُنا. صَحيحٌ أَنَّ الأَفعالَ تُتَرجِمُ ما في القُلوبِ لَكِنَّها وَإِن كانَت سَيّئَة لا تَستَطيعُ تَحديد هُوِيَّة الشَّخص على حَقيقَتِه. الإِنسانُ هو يَحَدِّدُ عَنْ طَريقِ أَفعالِهِ صورَتَهُ لِذاتِهِ وَالَّتي يُريدُ إِظهارَها للآخَرين. يَبقى عَلى الإِنسان أَن يَكونَ حَقيقَةَ ذاتِهِ على صورَةِ اللهِ كَمِثالِهِ قَلبًا وَقالِبًا، باطِنًا وَظاهِرًا، فِعلًا وَقَولًا. لَن نُحَقِّقَ أَنفُسَنا بِكَثرَةِ الأَلقابِ وَعَظَمَتَها، فَيَسوع لَم يَسعَ كَما الفَرّيسيّينَ لِيَدعوهُ النَّاسَ في المـُجتَمَع “رابّي”، بَل كانَ جُلَّ اهتِمامَهُ أَن يَعكِسَ وَيَشهَدَ لِهُوِيَّتَهُ الحَقيقيَّة وَالَّتي عَلَيها يُبنى مَلَكوتُ اللهِ.
نَسمَع يَسوع يُنَبِّه الجُموعَ وَتَلاميذَهُ لِئَلَّا يَقبَلوا أَن يَدعوهُم النَّاسَ رابّي أو مُعَلِّمين… وَأَلَّا يَقبَلوا أَن يَكونَ لَهُم مُرشِدينَ وَآباءَ روحِيّين، وَذَلِكَ لِهَدَفَين: أَوَّلًا لِيُدرِكوا أَن قيمَتَهُم وَمَكانَتَهُم لَيسَت في الأَلقاب، وَثانِيًا لِيُدرِكُوا أَنَّ انتِماءَهُم المـُطلَق وَثَباتَهُم في هُوِيَّتِهِم الجَديدَة في المـَسيح هيَ الَّتي تُحَرِّرَهُمْ مِنَ الضياعِ وَالسراب، فَلا يعودوا مُنقَسِمي القُلوب وَلا مُتَحَزّبينَ، بَل يَتبَعونَ عَمودَ النَّارَ الَّذي يَسيرُ دائِمًا أَمامَهُم وَهوَ المـَسيح الَّذي هوَ “الطَّريقُ وَالحَقُّ وَالحَياة”.
مِنْ أَكبَرِ خَيباتِ الأَمَل وَالفَشَل الَّذي يَعيشُهُ مُعظَمُ النَّاس يَقومُ على أَحلامٍ وَهمِيَّة وَانتِظاراتٍ كاذِبَة. كَمْ مِنَ النَّاسِ رَبَطوا قيمَتَهُم بِتَحقيقِ أَلقابٍ وَفَشِلوا؟ وَكَم مِنَ النَّاسِ وَضَعوا ثِقَتَهُم بِآباءٍ وَمُرشِدينَ وَمُعَلِّمينَ وَأَصِدقاءَ وَخابَ أَمَلَهُم، لا بَل أَكثَر مِن ذَلِكَ جُرِحوا وَحُطِّموا؟ عِندَما نُدرِكُ غَيرَةَ الرَّبِّ عَلَينا وَمَعنى الوَصِيَّةِ الأُولى الَّتي تَقومُ عَلى مَعرِفَةِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ وَعِبادَتِهِ وَحدَهُ بِالرُّوحِ وَالحَقّ عِندَئِذٍ نَتَجَنَّب السُقوطَ وَالفَشَل، وَنُدرِكُ أَنَّ لَنا أَبًا واحِدًا في السماءِ هوَ الآبُ الأَزَليّ، وَلنا مُرشِدًا واحِدًا عَلى الأَرض وَهوَ الرَّبَّ يَسوعَ المـَسيح ابنُ اللهِ الحَيّ، وَلَنا مُعَزِّيًّا واحِدًا وَهوَ الرُّوحُ القُدُس.
لَقَد أَرادَ الرَّبَّ يَسوع مِنْ خِلالِ تَعليمِه لا تَوجيهَ الإِصبَع بَل الشّفاءَ وَالخَلاص، فإِذا لَمْ نَتَعَلَّم مِنْ خُبُراتِنا وَخُبُراتِ النَّاسِ وَالأَحداث وَإِذا لَمْ نُدرِك هُوِيَّتَنا الحَقيقيّة في يَسوع المـَسيح، سَنَبقى مِثلَ العُصافَةِ الَّتي تَذروها الرِّياح، فيما الرَّبَّ يَسوع يَدفَعُنا وَيُشَجِّعُنا وَيَدعونا لِنَكونَ فيهِ كَما هوَ في الآب وَعِندَئِذٍ تُصبِحُ كَلِماتُهُ فينا أَعمالًا وَثِمارُهُ فينا قَداسَةً، وَعِندَئِذٍ شَهادَتُنا لَهُ تُصبِحُ أَلقابَهُ فينا؛ فَلنَطْلُب أَن نَكونَ فيهِ كَما أَرادَ هو أَن يَكونَ فينا، آمين

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg