تابعونا على صفحاتنا

مقالات

أَيُّ جِزيَةٍ عَلَينا أَن نَدفَعها وَلِمَن؟!

مِن أَبرَزِ أَوجُه المـُشارَكَة في أَنظِمَةِ الدُوَل هوَ تأدِيَةِ الضَرائِب. الجانِبِ الإِيجابيّ للجِزيَةِ أَو الضَريبَةِ أَنَّها وَسيلَة تُساعِدُ عَلى تطوير العَمَل لِلخَيرِ العامّ أَمَّا سَلبِيَّتُها عِندَما تُصبِح إِستِغلالًا حَيثُ لا يُرادُ مِنها الخَير العامّ بَل استِعباد النَّاس وَمَصْلَحة أَصحاب السُلطة والنّفوذ.
في أَيَّامِ الرَّبَّ يَسوع أُلزِمَ اليَهودِ عَلى تَأدِيَةِ الجِزيَةِ إِلى السُلُطاتِ الرُّومانِيَّة كَعَلامَةِ خُضوعٍ لَها، عِلمًا أَنَّها كانَتْ تَرعى خُصوصِيَّة هذا الشَعب وَتَحتَرِم ديانَتَهُ، فَكانَتْ تُحافِظ عَلى أَمنِ مَدينَتِهِ المـُقدَّسَة أُورَشَليم وَأَمنِ الهَيكَل العَظيمِ فيها والَّذي كانَ لَهُ أَمنَهُ اليَهوديّ الخاصِّ في الدّاخِل، لِئَلَّا تَدخُلَهُ أَيَّةُ نَجاسَة. كُثُرٌ مِنَ الشَّعبِ اليَهوديّ كانَ يَدفَع مُرغَمًا الجِزيَة لِقَيصَر، وَكانوا يَعتَبِرون مُنذُ خَلعِ أَرخِلَّاوسَ عَن الحُكمِ وَاعتِمادِ دَفع الجِزيَةَ مُباشَرَةً إِلى السُلطاتِ الرُّومانِيَّة أَنَّهُمْ باتوا خاضِعينَ لِلإِحتِلالِ. أَنْشَأَ هذا الأَمر تَيَّاراتٍ سِياسِيَّة ثائِرَة وَمُعارِضَة للرومان وَأَبرَزُهُم “الغيورِيّون”. إنطِلاقًا مِنْ هُنا نَفهَم لِماذا اتَّفَقَ الفَرّيسيّونَ وَالهيرودوسِيُّون -الَّذينَ نُزِعَتْ مِنْ سُلطَتِهِم وَظيفَة جَمعِ الضَرائِب مُنذُ خَلعِ أَرخِلّاوُس- عَلى اصطِيادِ الرَّبَّ يَسوع في موضوعِ دَفعِ الجِزيَة.
لَقدَ ظَنَّ الفَرّيسيّونَ وَالهيرودوسِيُّونَ مِنْ خِلالِ مُناظَرَتِهِم مَعَ الرَّبَّ يَسوع لَيسَ فَقَط وَضْعِهِ إِحراجِهِ، بَلْ أَخذ الذَريعَة الَّتي تُقَلِّبُ الشّعبَ وَالجُموعَ عَلَيهِ فَيَتَمَكَّنونَ مِنْ قَتلِهِ. لَو أَجابَ يَسوع أَنَّهُ يَرفُضُ رَفضًا قاطِعًا دَفعَ الجِزيَةِ لِقَيصَر لَكانوا اشتَكوهُ إِلى السُلُطاتِ الرُّومانِيَّة لِيُحاكَمَ عَلى يَدِها. وَلَو أَجابَ يَسوع أَنَّهُ مُوافِقٌ تَمامًا عَلى دَفعِ الجِزيَةِ لِقَيصَر لَكانَ عِندَ الشَّعبِ أَكثَرَ خَطيئَةً مِنَ العَشَّارينَ وَأَنَّهُ خائِنٌ لِشَعبِهِ وَلِلمَبدَأ الإِيمانيّ العَقائِديّ لِأَنَّ مَلِكَ هذا الشّعب هوَ اللهَ وَحدَهُ وَلَهُ يَجِبُ أَن تُدفَعَ الجِزيَةَ لا لِسِواهُ.
“أَدّوا لِقَيصَر ما لِقَيصَر وَللهِ ما لله”، بِهذا الجَوابِ الحَكيمِ أَفحَمَ يَسوعُ سائِليهِ وَأَحرَجَهُم، بَلْ وَضَعَهُم أَمامَ سُؤالٍ وِجدانيّ: فَهَل هُمْ يُؤَدُّونَ للهِ ما هو للهِ؟ إِذا كانَت الجِزيَةُ لِقَيصَر تُقتَصَرُ عَلى دَفعِ الضَرائِب، فَما هوَ الَّذي يَتَعَيَّن عَلَيهِم أَن يُؤَدُّوهُ للهِ؟
لَقَدْ فَرَضَ عُظَماءُ الأَحبارِ دَفعَ الجِزيَةِ أَيضًا للهَيكَلِ بِهَدَفِ إِشباعِ بُطونِهِم وَالعِنايَةَ بِزينَةِ الهَيكَلِ. بِالإِضافَةِ إِلى هَذِهِ الأَنواع مِنَ الجِزيَة هُناكَ نَوعٌ آخَر تَفرِضُهُ الشَريعَة وَالوَصِيَّة واحِدَة تَخُصُّ العُشور، وَالثَّانِيَة تَخُصُّ الذّبائِحَ وَالمـُحرَقاتِ تَكفيرًا عَنْ الخَطايا وَتَسبيحًا وَتَمجيدًا للهِ عَلى عَطاياه. هَلْ يَسوعُ بِجوابِهِ الحَكيم كانَ يَعني مُتابَعَةَ دَفعِ الجِزيَةِ لِقَيصَر مِن جَهَةٍ وَلعُظَماءِ الكَهَنَةِ وَالهَيكَل مِنْ جِهَةٍ أُخرى، أَمْ كانَ يَعني بِقَولِهِ أَمرًا يَتَجاوَز وَيُلغي كُلّ هَذِهِ الأَنواع مِنَ الفرائِضِ وَالضَرائِب؟
لا يَكمُنُ الجَوابُ بِالتَّحليلِ وَالتَّفكير وَالإِجتِهاد بَل بِالعَودَةِ إِلى ما فَعَلَهُ الرَّبَّ يَسوع إِذْ طَلَبَ أَن يَرى ما هوَ مَسبوكٌ عَلى الدينارِ مِنْ رَسْمٍ، حَيثُ تَظهَرْ صورَةُ قَيصَر، وَمِنْ هُنا نَفهَم قَولَه بشَكلٍ أَوضَح: “أَدُّوا لِقَيصَر ما لِقَيصَر، وللهِ ما لله”. الأَمرُ لا يَقتَصِرُ عَلى شَخصِ وَسُلطَةِ قَيصَر بَل يَعني العَدالَةَ في حَدِّ ذاتِها. بِطَريقَةٍ أَكثَر تَبسيطًا نَحنُ مَدعُوُّون لِنُعطي كُلَّ ذي حَقٍّ حَقَّهُ، فَإِذا كانَ القانون يَفرِض الجِزيَةَ عَلَينا أَنْ نُؤَدّيها بِحَسَبِ العَدالَةِ الإِجتِماعِيَّة وَأَن نُعِدْ لِكُلِّ مَنْ لَهُ عَلَينا حَقَّهُ، وَإِلَّا بِتنا مَدينينَ لَهُ. وَهُنا نُصبِح أَمامَ واجِبْ إِعادَةِ ما للهِ للهِ بِشَكلٍ كامِلٍ.
إذا نَظَرنا تَمامًا في جَوهَرِ رِسالَةِ الرَّبّ يَسوع نَكتَشِفُ كَيفَ وَماذا عَلَينا أَن نُعيدَ للهِ. فَالرَّبُّ لَمْ يَطلُبْ مِنَّا ذبائِحَ الكَفَّارَةِ أَو الشُكران وَلا يَنتَظِر مِنَّا العُشور، وَلَمْ يَأتِ يَسوع لِيُطالِبَنا بِهَذِهِ كُلُّها باسمِ الآبِ السَّماويّ، فَهوَ قَدْ أَتى لِيُعيدَنا إِلى جَوهَرِ دَعوَتِنا، مُقَدِّمًا ذاتَهُ عَنَّا لِكَيْ يُصالِحَنا مَعَ الآب. لَقَد دَعانا لِنَعبُدَ اللهَ بِالرُّوحِ وَالحَقّ حَيثُ نَكتَشِفُ أَنَّنا مَحبوبينَ مِنهُ لِلغايَة، وَتُصبِح تَقدِمَتُنا هيَ طاعَتُنا لِمَشيئَتِهِ القُدُّوسَة وَالصالِحَة. هَذِهِ الطاعَة الَّتي تَقومُ عَلى البِرّ وَالخَيرِ وَالمـَحَبَّة وَالصَّلاح. هيَ الطَّاعَةُ للرُّوحِ القُدُسِ وَلَيسَ لِلحَرفِ الَّذي يَقتُل وِللشَّريعَةِ وَللقانونِ وَللسَّبتِ الَّذي يَسجُن.
إِذا كانَتْ صورَةُ قَيصَر المـَسبوكَة عَلى الدِّينارِ تُذَكِّرُ بِهِ وَتَرتَبِط بِالمالِ وَالمادَّة، فَصورَةُ اللهِ المـَطبوعَةُ فينا تُذَكِّرُنا بِهُوِيَّتنا الحَقَّة وَدَعوَتنا إِلى القَداسَة. هذِهِ الصورَة مَعَ تَجَسُّد الكَلِمَة لَمْ تَعُدْ مَحصورَةً بِالرُّوحِ بَلْ أَصبَحَ الإِنسانُ بِكُلِّيَّتِهِ إِبنًا للهِ بِبِنُوَّةِ الإِبن الوَحيد، وَبِالتَّالي أَصبَحَ عَلى الإِنسانِ في يَسوعَ المـَسيح أَن يُقَدِّمَ كُلِّيَّتَهُ للهِ الآب بِقَلبٍ مُنسَحِقٍ وَمُغتَبِط.
إِذا كانَ دَفعُ الضريبة للدولِ يُعطيها سُلطَةً عَلى الإِنسان، فَدَفعُ الإِنسانِ “الجِزيَة” في يَسوع المَـسيح لله تُعيدُ لَهُ حُرِّيَّتَهُ وَسُلطانَ النِّعمَةِ الَّذي سَكَبَهُ عَلَينا من عَلى الصَّليب. طالَما وَنَحنُ في العالَمِ وَلَسنا مِنهُ، عَلَينا أَن نَخضَعَ للنِّظامِ العام وَفقًا للعدالَةِ وَالضّمير الأَخلاقيّ وَالخَير العام وكرامة الإنسان، أَمَّا مِنْ جِهَةِ عَلاقَتِنا بِاللهِ فَنَسموا حُرِّيَّةً عَلى كُلِّ شَيءٍ مادّيٍّ وَزَمَنيٍّ لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ حَرَّرَنا تَحريرًا وما عَلَينا إِلَّا أَن نُعيدَ كُلَّ شَيءٍ فيهِ لله الآب. آمين.

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg