تابعونا على صفحاتنا

مقالات

المَحَبَّة هيَ فِعلٌ قَبلَ أن تَكونَ وَصِيَّةً!

نَسمَع الكَثير الكَثير حَولَ المـَحَبَّة لَكِنَّها لا تَصِلْ إِلَينا عَبرَ السّماع، بَل عَبرَ الاختِبار وَما مِنْ اختِبارٍ مِن دونِ اللِّقاء. نَسمَع في الكِتابِ المـُقَدَّسَ أَنَّ خُلاصَةَ الشّريعَة وَالأَنبِياءِ تَكمُنُ في الوَصِيَّتَين: مَحَبَّة الله وَمَحَبَّة القَريب. هَلْ الوَصِيَّة تَسبِقُ اللّقاءَ وَالاختِبارَ أَم العَكس؟ صَحيحٌ أَنَّ الكِتاب المـُقَدَّس يَنقُل لَنا كُلّ الوَحيّ الإِلَهيّ، لَكِنَّ قِمَّةَ هذا الوَحي تَحتوي عَلى لِقاءاتِ اللهِ المُـتَنَوِّعَة مَعَ الإِنسان وَأَعظَمُها يَكْمُنُ في تَجَسُّدِ الكَلِمَة. لَمْ يُرِد الرَّبُّ أَن يَقولَ لَنا أَنَّهُ يُحِبَّنا عَبرَ الأَنبِياءِ وَالرُّسُلِ وَحَسْب، لا بَلْ أتى بِذاتِهِ إِلَينا وَصارَ واحِدًا مِنَّا.
العَهدُ القَديم مِنَ الكِتابِ المـُقَدَّس يَحُثُّنا عَلى عَيشِ الوَصايا حَيثُ كانَ لِلشريعَة مَكانَةً عَظيمَة لِأَنَّها تَحُدُّ الشَرَّ وَتَمنَع عَنْ فِعلِ الخَطيئَةِ وَتَكْشِفَها، أَمَّا في العَهدِ الجَديد أَصبَحتْ المـَكانَة الأُولى للنِّعمَة، فَلَمْ تَعُد الدَّعوَة لِعَيشِ الوَصايا تَهدِف لِحَدِّ الشَّرّ وَالامتِناعِ عَنْ الخَطيئَةِ وَحَسَب، بَل تَخَطَّتها لِنَعرِفَ أَوَّلًا كَيفَ عَلَينا أَن نَعيشَ المـَحَبَّة كَما أَحَبَّنا يَسوع، وَثانِيًا لِنَصنَعَ الخَيرَ وَنَحيا حَياةَ النِّعمَة بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس. انطِلاقًا مِن هنا السُؤال الَّذي يَجِب أَن نَطرَحَهُ على أَنفُسَنا: هَلْ نَعيشُ المَحَبَّة مِن مُنطَلَق الواجِب الأَخلاقيّ وَالعَلائقي كَوَصِيَّة أَم كَنِعمَةٍ مَصدَرها مَحَبَّةَ الله الَّتي تَجَلَّت لَنا في الرَّبّ يَسوع المـَسيح؟ وَكَيفَ نَستَطيعُ الانتِقال مِنْ مَنطِقِ الوَصِيَّة إِلى الاختِبار؟
يَجِب التَنَبُّه جَيّدًا أَنَّ الوَصايا في العَهدِ القَديم هيَ ثَمَرَةُ اختِبارٍ للوَحي الإِلهيّ وَمَصْدَرَ حِكمَةٍ تَبني الإِنسان وَتَدفَعْهُ لِيَعرِفَ اللهَ وَيُحِبَّهُ وَيَعْبُدَهُ. لَيسَت الوَصايا في أَساسِها وَجَوهَرِها قانونًا يُفْتَرَض تَطبيقَهُ وَلَيسَت هَدَفًا في حَدِّ ذاتِهِ، بَلْ هيَ طَريقُ الاستِقامَة وَالبِرّ. لَيسَت الوَصايا هيَ الَّتي تُعطي الخَلاص وَلَو جَعَلَت مِنَ الإِنسانِ بارًّا وَمِثالًا صالِحًا في المـجْتَمَع، فَهيَ تَبقى الطَريق وَتَستَمِدُّ الحَقَّ مِنَ اللهِ وَحدَهُ، وَلا تُعطي الحَياةَ في ذاتِها بَلْ تَدفَع وَتُحَفِّز عَلَيها.
أَعظَمُ الوَصايا وَمَصْدَرَها جَميعًا هيَ وَصِيَّةُ مَحَبَّة اللهِ، وَعلى الإِنسانِ أَن يُحِبَّهُ مِن كُلِّ قَلبِهِ وَكُلّ نَفسِهِ وَكُلّ ذِهنِهِ وَكُلّ إِرادَتِهِ… . ما يَجِبُّ التَوَقُّف عِندَهُ هوَ الإِمكانِيَّة الكامِلَة وَالمُـتَوَفِّرَة لَدى الإِنسان وهي أَنَّهُ يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ الله لِأَنَّهُ خُلِقَ بِقُوَّةِ مَحَبَّةِ اللهِ وَيَبْلُغُ غايَتَهُ في عَيشِهِ للمـَحَبَّة. إِذًا المـُعضِلَة لا تَكْمُنُ أَنَّ الإِنسانَ لا يَستَطيع أَن يُحِبَّ اللهَ، بَلْ لِماذا لا يُحِبُّ اللهَ. عِندَما نُجيبُ عَلى هذا السُؤال نَنتَقِل مِنْ عَيشِ المَحَبَّة كَواجِب أَخلاقيّ وَكَوصِيَّة لَها الطابِع القانونيّ إِلى الوَصِيّة الإلَهِيَّة البَنّاءَة القائِمَة عَلى اللّقاءِ وَالاختِبار.
تَتَّصِل وَصِيَّةُ مَحَبَّةُ اللهِ وَمَحَبَّةُ القَريب في العَهدِ القَديم عَلى فِعل “السَّماع” وَالَّذي يَتَّصِل بِالطَّاعَة لا لِأَمرٍ بَل قَبلَ أَيّ شَيءٍ آخَر للتَنَبُّه المُتَفاعِل مَع حُضورِ اللهِ المـُحِبّ وَالمـُحَوِّل وَسَماع كَلِمَتِهِ المـُحِبَّة وَخَطَواتِهِ الهادِئَة وَالدافِئَة وَالمـُشَجِّعَة. إذًا الوَصِيّة في جَوهَرِها تُحَفِّز عَلى الاستِعداد لِمُلاقاةِ الله الَّذي يُبادِر إِلى لِقائِنا. لا يُمكِنُنا أن نَتَنَبَّه وَنَستَعِدَّ وَنَرغَب بمُلاقاةِ الرَّبّ إذا كان لَدَينا أَحكامنا السَلبِيّة وَتَصَوُّراتِنا الخاطِئَة تُجاهَهُ، ومِن هُنا نَفهَم تَمامًا ما صَنَعَهُ الرَّبَّ “الكَلِمَة” في التَّجَسُّد، إِذ حَطَّمَ كُلّ هَذِهِ الأَصنام وَهَذِهِ الحُصون لِكَيْ نَستَطيعَ أَن نَلمُسَ وَنَرى وَنَسمَعَ حُضورَهُ الحَيّ في حَياتِنا فَنَعرِفَ مَحَبَّتَهُ لنا.
مَتى تَوَجَّهنا بِكامِل قِوانا مِن عَقلٍ وَقَلبٍ وَحَواسٍّ وذاكِرَة وَمُخَيّلَة وَإِرادَة وفقًا للوصِيَّة، وَبِكُلّ كِيانِنا نَحوَ المـَسيحِ إنصاتًا لِنِعمَةِ الإِيمان على مِثالِ مَريَم العَذراء، عِندَئِذٍ نَستَطيعُ الانتِقالَ مِنْ جانِبِ الوَصِيَّة إِلى جانِبِ اللّقاء وَالاختِبار. عِندَئِذٍ نَختَبِرُ مَحَبَّةَ اللهِ الشَّخصِيَّة لَنا وَيُصبِح هُوَ في ذاتِهِ حُبَّنا الأَوَّل وَالحَقيقيّ وَالدَّائِم وَالثّابِت. ثَمَرَةُ هذِهِ المـَحَبَّة تُصبِح مَحَبَّتَنا إِلى القَريب لا عَلى مُستَوى الارتِباط الدَمويّ وَالعِرقيّ وَالوَطنيّ وَالثّقافيّ وَالدّينيّ بَلْ عَلى مُستَوى كُل الإِنسان وَكلّ الوجود.
مَعَ الرَّبَّ يَسوع نُدرِك هَدَفَ الوَصِيَّة وَمِنهُ نَتَعَلَّمُ كَيفَ نَعيشَها بِروح البُنُوَّة للهِ الآب بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس وَنَتَعَلَّم كَيفَ عَلَينا أَن نُحِبَّ قَريبَنا، وَعِندَئِذٍ تُصبِحْ مَحَبَّتُنا مُتَجَسِّدَة لا بِالكَلامِ وَاللِّسانِ بَلْ بِالعَمَلِ وَالحَقّ. مَعَ الرَّبَّ يَسوع نَفهَم أَنَّ دَعوَتَنا وَوجودَنا كُلَّهُ وَرِسالَتَنا جوهَرهم المـَحَبَّة، فَقداسَتُنا لَيسَتْ مَنوطَة بِالأَعمالِ الصالِحَة إنّما بِمَحَبَّةِ اللهِ الَّتي تَصَنَع كُلّ أفعالَنا لتكونَ صالِحَةً وَمُقَدَّسَة. يَستَحيلُ عَلَينا أَن نَلتَقي الرَّبَّ وَنَحنُ نَخافُ مِنْهُ بِسَبَبِ أَحكامِنا السَلبِيَّة وَالكاذِبَة وَبِسَبَبِ جِراحِنا وتاريخنا الشَّخصيّ المـُمَزَّق، لَذِلَك عَلَينا أَن نَفتَحَ نوافِدَ قُلوبِنا ليسوع وَنَسْمَع لِلوَصِيَّة لِنَختَبِرَ مَحَبَّتِهِ الَّتي تُحوّلنا. أَكبَرُ الخَطَأَة لا بَل أَكبَرُ المُجرِمينَ ما إِن التَقوا الرَّبَّ يسوع حَتَّى تَحَوَّلوا إِلى أَعظَمِ القِدّيسين، يَكفينا أَن نَنظُرَ في سيرَةِ موسى وداود ومَريَمُ المِجدَلِيَّة وَزَكَّا العشّار وَبولُسَ وَفَرنسيس الأَسّيزي، لِيَسقُط الوهم القاتِل مِن عُقولِنا. المَطلوبُ الواحِد الَّذي عَلَينا أَن نَسعى إِلَيه هوَ أَن نَلتَقي الرَّبَّ في حَياتِنا فَنَتَحَّول إِلَيهِ بقّوة محبَّتِهِ لَنا. آمين.

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg