تابعونا على صفحاتنا

مقالات

في اليومِ الرّابِع أَقامَهُ، وَهكذا سَيَفعلَ فينا أَيضًا!

مَنْ يَتَأَمَّل في أَناجيلِ رَبّنا يَسوع المـَسيح يَكتَشِف التَّمايُز الواضِح الّذي يَتَمَتَّع بِهِ إِنجيلِ القِدّيس يوحَنَّا، حَيثُ يُدخِلُنا في حَدَثِ الآياتِ الَّتي صَنَعَها الرَّبَّ لَيسَ فَقَط عَلى مُستَوى الزّمان وَالمَكان بَل أَبعَدَ مِنْ ذَلِكَ يَمضي فينا إِلى عُمقِ الحَدَث حَيثُ نُشاهِد الأَحاديث وَالحِوارات الدّائِرَة بَينَ يَسوع وَتَلاميذِهِ وَالأَشخاص المـَعنِيّين في الآيَة. عِندَما نُقارِن مَثَلًا قِيامَة لِعازَر مِن بَينِ الأَموات وَإِحياء ابنَةِ يائيروس، نَكتَشِف سِعَةَ الفَرقِ هَذِهِ وَالَّتي تَسمَح لَنا إختِبارَ وَتَمييزِ إِيمانَنا عَلى مُستَوىً أَكبَر. لَقَد أَصَرَّ الإِنجيليّ يوحَنَّا عَلى التّأكيد في كُلِّ الآياتِ الَّتي دَوَّنَها في كِتابِهِ أَنَّ يَسوع هوَ الكَلِمَة المـُتَجَسِّد؛ إِنَّهُ ابنُ اللهِ الحَيّ.
عِندَما وَصَلَ خَبَرُ مَوتِ لِعازَرَ إِلى الرَّبّ يَسوع، وكانَ ما زالَ بَعيدًا عَنْ مَنزِلِه، نَراهُ لَمْ يُسرِع الخُطى بَلْ مَكَثَ في مَكانِهِ يَومَينِ إِضافِيَّين، ولَمْ يَحُدِث المـُعجِزَة مُباشَرَةً في حِينِها، بَل أَحدَثَ هذا الخَبَر حَديثًا مُطَوَّلًا بَينَه وَبَينَ تَلاميذِهِ وَالغايَةُ مِنْهُ أَنَّهُ النُّور وفي غِيابِهِ تَحِلُّ الظُّلمَة وَالمـوت، وَهذا ما يَبدو لَنا واضِحًا مِن خِلالِ كَلامِ مَرتا: “يا رَبُّ، لَو كُنتَ هَهُنا لَما ماتَ أخي…”. بَعدَ ذَلِكَ نَرى يَسوع يَمضي إِلى بَيتِ مَرتا وَمَريَم، لا لِتَعزِيَتِهِما بِالحُضورِ وَالكَلام، بَل بأَعظَمِ آيَةٍ صَنَعَها قَبلَ مَماتِه.
صَحيحٌ أَنَّ قِيامَة لَعازَر مِنْ بَينِ الأَموات لَمْ تَكُن هيَ الأُولى، وَلَكِنَّها تَمَيَّزَت بِأَنَّهُ كانَ قَدْ ماتَ وَمَرَّ عَلى دَفنِهِ أَربَعَةُ أَيَّامٍ، وَبِالتَّالي كانَ جُثمانُهُ بَدَأَ بِالتَّحَلُّلِ وَالفَساد. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا آيَة قِيامَة لِعازَرَ تَستَتْبِع تَجليّ الرَّبَّ يَسوع لِأَنَّهُما يُشَكِّلانِ مَعًا البُعدَ المـاورائيّ لِحَياتِنا بَعدَ المـَوت. آيَةُ قِيامَة لِعازَر مِنَ المـَوتِ لَم يَكُن هَدَفُها تَعزيز العَقيدَة الفَرّيسيّة بِقِيامَةِ الأَموات في يَومِ الدَّينونَة، بَل التأَكيد عَلى حَقيقَةِ قِيامَةِ الأَجسادِ وَعلى أَنَّ يَسوع هوَ ابنُ اللهِ الحَيّ، هوَ القِيامَةُ وَالحَياة، ومَنْ آمَنَ بِهِ وَإِن ماتَ فَسَيَحيا.
مِن جَديدٍ نَسمَع مَريَم تُرَدِّدُ قَولَ أُختِها مَرتا: “يا رَبُّ، لَو كُنتَ هَهُنا لَما ماتَ أخي”. وَرُبَّما نَحنُ أَيضًا نُرَدِّد القَولَ ذاتَهُ مَع مَشاعِر المـَلامَة المـَجبولَة بِالخَيبَةِ وَالشَّكّ وَالحَيرَة وَالضَيّاع. وَيَصِلُ بِنا الأَمر لِنَقول أَنَّ اللهَ هوَ المـُسَبِّب الأَوَّل لِفُقدانِ أَعِزَّاءَنا وَأَحِبّاءَنا. موَقِف يَسوع الواضِح أَمامَ قَبرِ لِعازَر حَيثُ أَدمَعَتْ عَيناهُ وَجاشَ صَدرَهُ وَاضطَرَبَتْ نَفسَهُ، هوَ الجَواب الواضِح وَالصّريح لأَنَّهُ لا يُريدُ مَوتَنا، بَلْ قِيامَتَنا وَخَلاصَنا. وما أَحدَثَهُ لِعازَر هو لا يَعني فَقَط مَرتا وَمَريَم، بَل يَعني كُلَّ شَخصٍ مِنَّا. صَحيحٌ أَنَّ مَن يَرحَلونَ عَنَّا لا يَعودونَ إِلَينا، بَل نَحنُ نَذهَب إِلَيهِم، وَلَكِنْ أَصبَحَ لَدَينا كامِلَ اليَقين أَنَّنا جَميعًا سَنَلتَقي في غمرَةِ مَنْ هوَ القِيامَة وَالحَياة.
لَقَد ذَهَبَ يَسوع إِلى قَبرِ لعازَرَ بِصُحبَةِ الجُموع وَوَقَفَ هُناكَ، طالبًا إِزاحَةِ الحَجَرَ الكَبير، وَرَفَع عَينَيهِ إِلى أَبيهِ السَّماويّ شاكِرًا إِيّاه. لِشِدَّةِ مَحَبَّتِهِ لِلعازَر صَديقَهُ، وَمِنْ أَجلِ الجَمعِ الحاضِر أَظهَرَ مَجدَهُ بِقِيامَتِهِ مِنَ المـوت. لَقَد ناداهُ باسمِهِ، وَلِهَذا الفِعل دَلالاتٌ كبيرَة. نَحنُ نُعرَفُ عِندَ اللهِ بِأَسمائِنا وَالمـَوتُ لا يُغَيِّرُ شَيئًا مِنْ تاريخِنا وَشَخصِيَّاتَنا لا تَزول، إِنَّما نَحنُ بِفِعلِ قُوَّةِ سُلطانِ الرَّبَّ يَسوع سَيِّدُ الحَياة نَستَعيدُ كامِلَ هُوِيَّتَنا بِكامِلِ عَناصِرِها. لهذا السَّبَب عَينِهِ الكَنيسَةُ تُؤمِن بِقِيامَةِ الأَجساد، لِأَنَّ الَّذي خَلَقَنا مِنَ العَدَم، هوَ نَفسُهُ أَقامَ لعازَرَ في اليَومِ الرَّابِع بَعدما أَنتَنَ جَسَدَهُ، وَهوَ نَفسُهُ قَدْ قامَ مِنْ بَينِ الأَمواتِ واطِئًا المـوتَ بِالمـَوت.
صَحيحٌ أَنَّ شَعبَ اللهِ لَمْ يَشهَد آيَةً كَهَذِهِ. صَحيحٌ أَنَّ كَثيرينَ آمَنوا أَنَّ يَسوع هوَ المـُرسَل مِنْ عِندِ الآب؛ إِنَّهُ المـَسيحُ، وَصَحيحٌ أَيضًا أَنَّ هَذِهِ الآيَة كَانَت سَبَبًا مِنْ أَسبابِ قَتلِهِ. لَقَدْ أَصبَحَتْ لَنا آيَةُ قِيامَة لعازَر مِنَ المـَوت مُقَدِّمَةً لِقِيامَة الرَّبّ يَسوع مِنْ بَينِ الأَموات، وَصورَةً لِقِيامَتَنا في اليَومِ الأَخير، وَلَكِنْ يَبقى الأَساسُ إِعلانَ يَسوعَ عَنْ ذاتِهِ أَنَّهُ القِيامَة وَالحَياة. انطِلاقًا مِنْ هُنا لَن نَعرِفَ القِيامَةَ وَلا الحَياةَ خارِجًا عَنْهُ. باستِطاعَتِنا أَن نَعرِفَ الخَطيئَة وَالمَـوتَ وَالهَلاك، فَوحدَهُ الَّذي يَستَطيعُ أن يُحيينا. انطِلاقًا مِنْ هُنا عَلَينا التَّنَبُّه إِلى أَشكالِ المـَوتِ المـُتَنَوِّعَة حَيثُ تَنقَدُّ عَلَينا أَمراضُ الخَطايا وَالأَهواء وَالرَّذائِل وَنَقَعُ في مُستَنَقَعِ اليأَسِ وَالإِحباطِ وَالخَيبَة وَاللّامُبالاةِ وَفُتورِ الإِيمان، وَنُصبِحُ كالنِّيام لا نَعرِفُ طَعمَ الحَياة وَلا نَجِدُ مَعناها. كُلّ هَذِهِ مُؤَشِّراتٌ تُعلِمُنا إِذا كُنَّا حَقيقَةً نَحيا في المـَسيح وَالمَـسيحُ يَحيا فينا، أَم أَنَّنا أَصبَحنا أَمواتًا تَحمِلُهُم أَجسادٌ ماضِيَة إِلى القُبور؟!
لَقَد أَجرى يَسوعُ آيَة قِيامَةِ لِعازَر بِهَدَفِ قِيامَةِ الإِيمان في قُلوبِنا. وَالإِيمانُ الَّذي يَدعونا إِلَيهِ الرَّبّ يَجعَلُنا نَتَزَيَّن بِالمـَواهِبِ وَالفَضائِل الرُّوحِيَّة. أَن نَقولَ أَنَّ يَسوع هوَ القِيامَة وَالحَياة، هذا يَعني أَنَّهُ يَحيا فينا وَيُحيينا بِمواهِبِ روحِهِ القُدُّوس، فَلا يَعُدْ سُوسُ الخَطيئَةِ وَالمـوت يَنخُرُ أَجسادَنا أَبَدًا. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام