تابعونا على صفحاتنا

مقالات

إِنَّهُ قامَ… لِيُقيمَ جِراحَهُ أَيَضًا وَيَشفينا مِنَ المَوت!

لَم يَكُنْ وَقعُ مَوتُ الرَّبَّ يَسوع حَدَثًا بَسيطًا عَلى التَّلاميذ، بَلْ كانَ كالصّاعِقَة المـُدَوِّيَة وَالمـُحرِقَة وَالصادِمَة. رُغمَ أَنَّهُ نَبَّهَهُمْ مِرارًا عَديدَةً أَنَّهُ يَجِبُ على ابنِ الإِنسانِ أَن يَتَأَلَّمَ وَيُصلَبَ وَيَموت، لَكِنَّ نَشوَةَ رِفقَتِهِ كانَتْ تَجعَلُهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّ الأَمرَ ما زالَ بَعيدًا عَنْهُم. فَما هِيَ إِلَّا بِضعَةَ أَيَّامٍ قَليلَة بَعدَما ابتَهَجوا بِدُخولِهِ على المـَدينَةِ المـُقَدَّسَةِ أُورَشَليمَ كَمَلِكٍ مُنتَصِرٍ يَحمِلُ رايَةَ ابنَ داودَ حَيثُ أُدهِشوا في استِقبالِ النَّاسِ لَهُ حامِلينَ أَغصان الزّيتون وسُعُفَ النَّخلِ وَهُمْ يَصرُخونَ وَيَهتِفون: “مُبارَكٌ الآتي باسمِ الرَّبّ، هوشَعنا لابنِ داود”. أَيَّامٌ قَليلَة شاهَدَوهُ مَيتًا عَلى الصّليب. أَلَيسَ هذا ما يَحدُثُ مَعَنا، إِذْ لا نُدرِكُ وَلا نَعرِفُ صَيرورَةَ الأَحداثِ وَكَيفَ تَجري؟ في وَقتٍ ظَنُّوا أَنَّهُمْ رُبَّما قَدْ يَتَمَكَّنونَ مِنْ إِعلانِهِ مَسيحًا وَمَلِكًا عَلى وَقعِ استِقبالِه بِالهوشَعنا، رَأَوهُ مُعَلَّقًا عَلى الصّليبِ وَعِلَّةَ الحُكمِ تَعلو رَأسَهُ: “يسوع النَّاصري مَلَك اليَهود”. إِنَّها خَيبَةُ الأَمَل، إِنَّها الصَّدمَة.
بَينَ العَشاءِ الأَخير وَبُستانِ الزَّيتون بَدَأَ مَسارُ الأُمورِ يَنقَلِب. لِأَوَّلِ مَرَّةٍ تَتَفَكَّكُ مَجموعَةُ التَلاميذ الإِثنَي عَشَر، لِيَظهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ خانَ الرَّبَّ وَالمـُعَلِّم. وَفي البُستانِ كُلُّهُمْ شاهَدوهُ يُقَيَّدُ بِالسَّلاسِلِ، وَبَعدِئِذٍ كُلُّهُمْ هَرَبوا، بَينَما بُطرُسَ تَبِعَهُ إِلى بَيتِ عَظيمِ الأَحبارِ حَيثُ أَنكَرَهُ ثَلاثَةَ مَرَّاتٍ. جَميعُهُمْ سَمِعوا بِقرارِ صَلبِهِ وَيوحَنَّا وَحدَهُ مَثَلَ إِلى جانِبِ مَريَمَ لِيَكونَ الشَّاهِدَ الوَحيدَ مِن بَينِ الرُّسُلِ عَلى مَوتِهِ صَلبًا. أَخيرًا كُلُّهُمْ عَرَفوا أَنَّ مَنْ تَرَكوا كُلَّ شَيءٍ مِنْ أَجلِهِ وَتَبِعوهُ، قَدْ ماتَ حَقًّا، ماتَ وَحيدًا مُعَلَّقًا على الصَّليبِ، عُريانًا مِثلَ اللُّصِّ، لِيَكونَ رَذالَةً عِنْدَ الشَّعبِ كُلِّه.
مَعَ مَوتِ يَسوع بَدَأَتْ جَماعَةُ التَلاميذِ تَتَفَكَّك بِسُرعَةٍ كَبيرَة. نَرى تِلمِيذَي عَمَّاوسَ يَترُكانِ الجَماعَة صَباحَ الأَحدِ باكِرًا لِيَعودوا إِلى دِيارِهِم. رُبَّما لَو كانَتِ الشَّريعَةُ تَسمَح لَهُم أَن يَسيروا مَسافَةً طَويلَةً يَومَ السَّبتِ لَما انتَظَروا لَحظَةً واحِدَة. يَهوذا انتَحَرَ، وَبُطرُسُ نَراهُ غارِقًا بِحُزنِهِ وَذَنبِهِ وَكَآبَتِهِ لِأَنَّهُ أَنكَرَ الرَّبَّ وَلَمْ يَثْبُت عَلَى كَلِمَةٍ قالَها. النِّساءُ يَندُبْنَ وَيُسرِعْنَ فَجرَ الأَحَدِ إِلى القَبرِ، لِيَعُدْنَ بِخَبَرٍ مُذْهِلٍ وَمُدهِشٍ وَعَجيب: “يَسوعُ النَّاصِريّ لَيسَ ها هُنا، إِنَّهُ قام!”. مَريَمُ المِجدَلِيَّةِ تُجادِلُ البُستانيّ تُريدُ جَسَدَ مُعَلِّمِها الَّذي شاهَدَتْهُ مُعَلَّقًا أَمامَها عَلى الصّليب، لِتَسْمَعهُ يُناديها باسمِها، فَتَركُضُ لاحتِضانِهِ، إِنَّهُ قام!. بُطرُس وَيوحَنّا رَكَضوا مُسرِعينَ إِلى القَبرِ، فَوَجَدوا حَجَرَ القَبرِ الكَبير مُدَحرَجًا، وَفي الدّاخِل الأَكفانُ مَصفوفَةً في مَكانِها وَالمِنديلُ عِندَ الرَّأس.
جَدَلِيَّةُ حَدَثُ “فِصحِ الرَّبَّ يَسوع” السّريعَة ما بَينَ دُخولِهِ إِلى المـَدينَةِ المـُقَدَّسَة وَاعتِقالِهِ وَمُحاكَمَتِهِ وَآلامِهِ وَصَلبِهِ وَمَوتِهِ وَقِيامَتِهِ، هيَ الحَرَكَةُ الرُّوحِيَّة اللَّولَبِيَّة الَّتي جَعَلَتْ التَّلاميذَ يَتَحَوَّلونَ مِنْ أُناسٍ خائِفينَ مَذعورينَ إِلى شُهودٍ يَتَلَمَّسونَ حَقيقَةَ القِيامَةِ بِعُقولِهِم وَقُلوبِهِم وَحَواسِّهِم. يَتَوَقَّفونَ عِندَ كُلِّ آثارِها الَّتي أَحْدَثَتْ فيهِم تَحَوُّلًا روحِيًّا دَفَعَهُم لِيَثْبُتوا في مَعرِفَتِهِم للرَّبّ، لا عَلى مُستَوى كَلامِهِ وَأَفعالِهِ وَحَسْب، بَلْ عَلى مُستَوى جِراحِهِ. لَقَدْ عايَنوا آثارَ المـَسامير وطَعنَةِ الحَربَة، وَسَمِعوهُ يَقولُ لَهُمْ: “السَّلامُ مَعَكُم، أَنا هوَ فَلا تَخافوا!”؛ حَقًّا لَقَدْ ماتوا مَعَ الرَّبِّ وَقاموا مَعَهُ.
مِنْ خِلالِ حَرَكَة قِيامَة الرَّبَّ يَسوعَ مِنْ بَينِ الأَموات، أَصبَحَ مَطلَبُ جِراحاتِ التّلاميذ النَّفسِيَّةِ وَالرُّوِحِيَّةِ وَالمـَعنَوِيَّة، هو الأَساس. لَقَدْ خُيِّبَتْ آمالُهُم لَحَظَة أُسلِمَ وَلَحظَةَ مات. لَقَدْ صُعِقَتْ نُفوسُهُمْ وَأَظْلَمَت أَرواحُهُمْ لَحَظَةَ إِعدادِهِ “رَقمًا” بَينَ المـُجرِمينَ، بَعدَما كانَ لَهُمْ الرَّبَّ وَالمـُعَلِّمَ وَالقُدْوَةَ وَالمِـثال، وَأَكثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ آمَنوا بِهِ أَنَّهُ المـَسيح وابنُ اللهِ حَقًّا، لِيَصِلَ بِهِ الأَمرُ إِلى هَذِهِ الخاتِمَة؟! إِنطِلاقًا مِنْ هُنا، لَمْ يُصَدِّقوا عُيونَهُمْ عِندَما شاهَدوهُ أَمامَهُم حَيّ! وَكانَ مَطلَبُهُمْ رُؤيَةَ الجِراحَ. وَهَكَذا بِجُرحِهِ شُفِيَتْ جِراحَهُمْ، لِأَنَّها باتَتْ بِمَثابَةِ خَتمِ المَحَبَّةِ الأَبَدِيَّةِ لَعِهدِهِ الجَديد.
عِندَما نَفقِدُ حَبيبًا وَعَزيزًا لَنا، نَفقِدُ جِزءًا مِنَّا، فلا يُستَعاضَ عَنْهُ بِأَيِّ أَمرٍ آخَر. وَحدَهُ الحَبيب يَستَطيعُ أَنْ يَملأَ مَكانَهُ الخاصّ، فَهذا مَكانَهُ وَلَيسَ لِأَحَدٍ سِواه. هذا حَقًّا ما نَختَبِرهُ وَنَعيشُهُ في حَياتِنا، وَلَكِنْ تَعزِيَتَنا الوَحيدَة والشافِيَة هيَ في قِيامَةِ الرَّبَّ يَسوعَ المـَسيح ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَملَأُ كِيانَنا بِحُضورِهِ الحَيّ فَرَحًا وَرَجاءً وَسَلام. ذَلِكَ لِأَنَّنا في جِراحِهِ نُعايِنُ جِراحَنا مُبَلسَمَة، لِأَنَّ ما أَحدَثَهُ المـَوتُ فينا مِنْ فَراغٍ، غَدا مَكانًا جَديدًا مُخَصَّصًا لِلمـَسيحِ يَسوع. وَحدَهُ الَّذي بِقِيامَتِهِ يَمْلأَنا حَياةً. وَحدَهُ الَّذي بِقِيامَتِهِ يُعطينا السَّعادَةَ الحَقَّة، وَيُثَبِّتُ فينا الرَّجاءَ لِنَنْظُرَ إِلى الحَياةِ الأَبَدِيَّةِ بِيَقينِ الإِيمانِ وقُوَّةِ المـَحَبَّة.
نَحنُ الَّذينَ لا نَموتُ مَرَّةً واحِدَة، بَلْ يَومًا بَعدَ يَومٍ. فها إِنسانِيَّتنا تَمضي إِلى حَتْمِيَّةِ المـَوت، وَلَكِنْ مَعَ قِيامَةِ الرَّبَّ يَسوع أَصبَحَتْ بصَيرورَتِها مَسارَ تَحَوُّلِنا لِنَكونَ في جَسَدِ المـَسيحِ السِرّي أَحياءً في المـَحَبَّةِ إِلى الأَبَد. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام