تابعونا على صفحاتنا

مقالات

إِلَهٌ يَعجَز عَن خَلاصِ نَفسِه وَقادرٌ عَلى خَلاصنا!

“خَلَّصَ غَيرَهُ، وَلا يَقدِر أَن يُخَلِّصَ نَفسَهُ! هوَ مَلِكُ إِسرائيل، فَليَنزِل الآنَ عَن الصَليبِ فَنُؤمِنَ بِهِ. إِتَّكَلَ على الله، فَليُنقِذْهُ الآن، إِنْ كانَ راضِيًا عَنْهُ، فَقَد قالَ: أَنا ابنُ الله”. (متّ 27: 42 – 43). في لَحَظاتِ الضّيق وَمَخاوِف الحُروب وَالمـَجاعاتِ وَمِحَنِ الأَمراضِ على شَتّى أَنواعِها عِندَما تَفتُكُ في أَجسادِنا، نَجِدُ أَنفُسَنا لا نَبْحَثْ عَنْ الله وَحَسْب، بَل نُلقي بِكُلِّ المـَلامَةِ عَلَيهِ وَنُسائِلُهُ وَنُطالِبِهُ بِالتَّدَخُّلِ المـُباشِر لِيُتَمِّمَ مَشيئَتَنا فَقَط مِنْ أَجلِ راحَتِنا. للأَسَف بِكَثيرٍ مِنَ المـَرَّاتِ نُصابُ بِالخَيْبَة، وَيُراوِدُنا الظَّنُّ إِمَّا هوَ لا يُحِبُّنا وَلا يَستَجِبْ دُعاءَنا أَو أَنَّهُ لَيسَ هُنا، وَكُنَّا نَأمَل أَن يَكونَ حَيًّا وَيُحدِثَ لَنا المـُعجِزَة. وَفقَ ما يَقولُ الكِتابُ المـُقَدَّس: “مَنْ لَهُ فِكرُ الله؟”
عِندَما نَعودُ للتَّأَمُّلِ في حَياةِ الرَّبَّ يَسوع، وَعِندَما نَمْثُلُ بِصورَةٍ خاصَّة أَمامَ حَدَثِ صَليبِهِ يَتَحَوَّل فَهْمُنا بِنِعمَةِ الإِيمانِ فَقَط مِنَ التَمَرُّدِ الصِبيانيّ المـُراهِق إِلى مَعرِفَةِ مَشيئَةِ اللهِ الَّتي تَسمو عَلى مَقاييسنا البَشَرِيَّة. عِندَ الصّليب نَجِدُ أَنفُسَنا مُسائَلينَ كَيفَ لِيَسوع النَّاصِريّ الَّذي عُرِفَ بِمُعجِزاتِهِ وَإِحياءِ الأَمواتِ يَعجَزُ عَنْ تَخليصِ نَفسِهِ. أَينَ روحُ شَمشون الَّذي فيهِ؟! أَمَّا السُّؤالُ الأَبرَز كَيفَ أَنَّهُ المـَسيح وابنُ اللهِ قَد أَطاعَ حَتّى المـَوت مَوتِ الصّليبِ وَفي خِضَمِّ نِزاعِهِ الأَخير غَفَرَ لِأَعدائِهِ وَصَاليبِه؟! مَعَ يَسوعَ المـَصلوب نَنتَقِلُ مِنْ جانِبِ مَلامَةِ اللهِ إِلى جانِبِ الدُّخولِ في حَياةِ النِّعمةِ الإِلَهيَّة الَّتي بِواسِطَتِها نَستَطيعُ حَملَ الصَّليب واختِبارَ الطّاعَة المـُتَّضِعَةَ حتّى المـَوت، حَيثُ يُصبِح تَسليمُنا للرَّبّ عَلامَةَ ثِقَتَنا واتِّكالَنا عَلَيهِ رُغمَ كُلِّ شَيء.
لَو أَنَّ المـَسيحَ نَزَلَ عَنْ خَشَبَةِ الصّليب، هَل كانَ لِصاليبِهِ أَن يُؤمِنوا بِهِ؟! لَو أَنَّ المـَسيحَ لَمْ يُشارِكْنا آلامَنا وَنِزاعاتِنا المـُتَنَوِّعَة، هَلْ كان لَدَينا القُوَّةَ وَالمـُعنى لِكَيْ نَحتَمِلَها وَنُواجِهَها؟ لَو أَنَّ المـَسيحَ لَم يَمُتْ عَلى الصّليب، وَبَقِي المـَوتُ فَقَطْ مِنْ نَصيبِنا، أما ظَنَنّا أَنَّ المـَلَكوتَ وَالحَياةَ الأَبَدِيَّةَ لَهُ وَحْدَهُ، وَلَنا الأَلَم وَالهَلاكَ وَالمـَوتَ وَالعَدَم؟ في الحَقيقَةِ لَقَدْ عاشَ آلامَنا، وَبِتَعبيرٍ أَكثَرَ وضوحًا ابتَلَعَ كُلَّ آلامَنا وَصارَ رَجُلَ أَوجاعٍ وَعارِفٌ بِالأَلَمِ، وَقد ماتَ مَعَنا. لِأَنَّهُ يُحِبُّنا شابَهَنا في كُلّ شَيءٍ ما عَدا الخَطيئَة، وَصارَ خَطيئَةً وَلَعَنَةً على الصّليبِ مِنْ أَجلِ خَلاصِنا؛ إِنَّهُ المـَحَبَّة.
مَعَ المـَسيحِ أَصبَحَ الصّليبُ لِحَياتِنا “سِرًّا مُقَدَّسًا” وَجِسرَ عُبورٍ فيهِ وَحدَهُ نَختَبِرُ أَمرَينِ مُتَناقِضَينِ: الأَوَّل يَقودُنا إِلى حَقيقَة عالَمِنا المَليء بِالشّرّ وَالخَطيئَةِ وَاللَّاعَدالَة وَإِلى وَطبيعَتَنا البَشَرِيَّة الهَزيلَة وَالهَشَّة وَالضّعيفَة، أَمَّا الثّاني يَقودُنا إِلى حَقيقَةِ قُوَّةِ النِّعمَةِ الإِلَهِيَّة في حَياتِنا الَّتي تُصبِحُ بِمَثابَةِ جِهازِ المـَناعَةِ لكِيانِنا الرُّوحي، حَيثُ يَنتَصِرُ الرُّوحُ عَلى الجَسَدِ وَالفَضيلَةُ على الرَّذيلَةِ وَالحَياةُ على المـَوت. حَيثُ الرَّجاءُ يَسحَقُ اليَأسَ وَالإِيمانَ يُبَدِّدُ اللَّامَعنى وَالمـَحَبَّةُ لا تَسقُطُ أَبَدًا.
إِنطِلاقًا مِنْ هُنا نُدرِكُ على قَدرِ استِطاعَتِنا لِماذا لَمْ يُخَلِّص الرَّبَّ يَسوعَ نَفسَهُ، وَآثَر أَن يُخَلِّصَنا باتِّخاذِهِ صَيرورَةَ إِنسانِيَّتَنا حَتَّى الرَّمَقِ الأَخير. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا نُدرِكُ بِفِعلِ الإِيمانِ حُضورَهُ مَعَنا في صُلْبِ الأَحداثِ وَمُجرَياتِها مَهما كانَتْ جَميلَة وَهادِئَة أَو قَبيحَة وَقاسِيَة. في الوَقتِ الَّذي نُطالِبُهُ بِإِطفاءِ الحُروبِ، نَجِدُهُ يُطالِبُ مَعَنا بِالفِعلِ ذاتِهِ لأَنَّهُ لا يَرضى بِالشَّرِّ وَلا يَهواهُ أَبَدًا، فَنَراهُ كَأَنَّهُ عاجِزٌ لِأَنَّهُ لَيسَ مُسَبِّبَها وَلَيسَ مَصْدَرَها، لَكِنَّهُ يَحتَمِلُ مَعَنا تَبِعاتِها مَهما كانَتْ قاسِيَة، تَمامًا كَما حَصَلَ مَعَهُ عَلى الصّليب. وَعِندَما نَلِحُّ عَلَيهِ بِشِفائِنا أَو شِفاءِ أَحِبَّاءَنا، أَو بِإسكاتِ عَواصِفِ تَجارِبِنا، أَو بِإِعطائِنا حاجَةٍ ماسَّة، وَنَشعُرُ أَنَّهُ صامِتٌ لا بَلْ غائِبٌ حَتَّى، عِندَئِذٍ يَكونُ صَليبَهُ الشافي الجَوابَ لَنا وهذا حَقًّا وَفَقَط عِندَما يُصبِحُ هوَ حَبيبَ قَلبِنا الأَوَّل.
عِندَما نَتَأَمَّلُ في آلامِ الرَّبَّ يَسوع، عَلَينا أَن نَستَعينَ بِنُبُوءَات العَهدِ القَديم حَيثُ يُقَدَّمُ لَنا بِصورَةِ الحَمَل، لَيسَ فَقَط لِأَنَّهُ الذَبيحَةُ المـَرضِيَّة عِندَ الآبِ وَتَأَكيدًا عَلى أَنَّهُ الفاديّ وَالوَسيط الوَحيد بَينَنا وَبَينَ الآب، بَلْ أَيضًا لِتَكْشِفَ لَنا كَيفَ باستِطاعَتِنا قُبولَ الصّليبَ في حَياتِنا عَلى مِثالِهِ، بِالطَّاعَةِ حَتَّى المـَوت. يُعَلِّمُنا يَسوعُ المـَصلوب مَعنى وَحَقيقَةَ وَقُوَّة المـَحَبَّة المـُتَجَسِّدَة في الوَداعَةِ وَالتَّواضُعِ وَالطَّاعَة. يُعَلَّمُنا كَيفَ نَلينُ مَعَ الأَلَمِ وَالمـُصيبَة، بَدَلًا مِنَ التَمَرُّدِ وَالغَضَبِ. يُعَلِّمُنا كَيفَ نَستَضيفُ ضُعفَنا البَشَريّ بِفِعلِ مَحَبَّتِهِ اللَّامُتَناهِيَة وَهذا ما يُوَلِّدُ فينا الصّبرَ وطولِ الأَناة. المـُعضِلَةُ وَالعَقَبَة الوَحيدَة الَّتي يَصطَنِعُها لَنا إِبليس عَدوّ الطَبيعَة البَشَرِيَّة هيَ رَفضُنا لِسِرّ الصّليب في حَياتِنا، وَذَلِكَ لِنَرفُضَ واقِعَنا وَإِنسانِيَّتَنا الهَشَّة، وَلِكَي لا نَختَبِرَ قُوَّةَ النِّعْمَة الإِلَهيَّةِ فينا. يَكفينا أَن نَنظُرَ إِلى وَجهِ يَسوع المـَصلوب، وَإِلى قَوافِلِ الشُهداءَ وَالقِدّيسين، لِنُدرِكَ أَنَّنا بِصَليبِهِ نَنتَصِر وَبِمحَبَّتِهِ الغافِرَة نَحيا وَنَقوم. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام