تابعونا على صفحاتنا

مقالات

بَينَ كَسرِ الخُبزِ وَغَسلِ الأَرجُل فِعلٌ واحِد!

4 T

في عالَمٍ باتَ غارِقًا أَكثَر فَأَكثَر في الظّلام. في عالَمٍ باتَ يَفتَقِدُ للمـَعنى وَلِلقِيَمِ، وَأَصبَحَت العَبَثِيَّةُ فيهِ هيَ صاحِبَةُ المـَوقِف وَباتَ الإِنسانُ بِأَمَسِّ الحاجَة لإِدراكِ واختِبار المـَحَبَّة الحَقيقيَّة الَّتي وَحدَها باستِطاعَتِها أَن تُحَوِّلَ كُلَّ الأَشياءِ إِلى النَّور، نَكتَشِفُ في غَمرَةِ العَشاءِ الأَخير للرَّبَّ يَسوع مَع تَلاميذِه أَنوارًا تَقودُ عالَمَنا إِلى الحُرِيَّةِ وَإِلى الشّفاءِ وَالخَلاص. لَكِنَّ المـُعضِلَةَ تَبقى ثابِتَة وهيَ حُرِّيَّةَ الإِنسانَ وَاختِيارِه لِلخَيرِ وَلِلحَقِّ وَلِلعَدلِ وَللسّلام. هَل باستِطاعَتِنا أَن نُمَيِّزَ جَيّدًا مِنْ دونِ انحِيازٍ إِلَّا لله؟ وما الجَديدُ الَّذي تُحدِثْهُ فينا أَنوارُ عشاءِ الرَّبَّ الأَخير مَع تَلاميذِهِ في عِلِيَّةِ صِهيون؟!
عالَمُنا المـُضطَرِب يَبحَثُ عَنْ السّلام، وَالإِنسانِيَّةُ تُطالِبُ بِالحَقِّ وَالعَدالَة، وَلَكِنْ رُؤساءَ الأُمَمِ كما كانَ في البَدءِ كَذَلِكَ الآن يَسودونَ العالَم بِجَبَروتِهِمْ وَبِظُلمِهِم وبِطُغيانِهِم. وَحدَهُمْ الفُقَراءَ وَالأَقَلِيَّاتَ يَدفَعونَ الثَّمَنَ باهِظًا عَلى الأَرضِ وَلَهُمْ وَحدَهُمْ تُعطى التّعزِيَةُ المـُقَدَّسَة مِنْ عَشاءِ الرَّبَّ الأَخير حَيثُ يَقلِبُ كُلَّ المـَقَاييس وَذَلِكَ فَقَط لِأَنَّهُ “الرَّبَّ وَالمـُعَلِّم”.
في تِلكَ اللَّيلَة كانَتْ رَغبَةُ التَّلاميذ الإِثنَي عَشَر جامِحَةً صَوبَ المـَنصَبِ الأَوَّل وَالمـِقعَدِ الأَوَّل. في تِلكَ اللَّيلَةِ كانَتْ مَحَبَّةُ الرَّبَّ يَسوع هيَ الأَقوى، وَكانَ لَها الكَلِمَة وَالفِعل الأَبْلَغ. ما صَنَعَهُ الرَّبُّ بِقُوَّةِ مَحَبَّتِهِ لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ نَموذَج وَتَعليمٍ وَمِثالٍ يَصعُب تَحقيقُهُ بَلْ كانَ المـَدخَل الحَقيقيّ لِخَلاصِ العالَم، وَفي الوَقتِ عَينِهِ عَلى الرُّغمِ مِنْ عَدَمِ تَحَقُّقِهِ بِشَكلٍ شُموليٍّ وَعالَميّ بَقِيَ التَعزِيَة وَالقُوَّةَ لِكُلِّ المـُضطَهَدينَ وَلِلفُقَراءِ وَللأَقَلِّيَّاتِ في كُلِّ العالَم.
نُشاهِدُ الرَّبَّ يَسوع خادِمًا وَغاسِلَ أَرجُلٍ لِتَلاميذِهِ. هَذِهِ الخِدمَة الَّتي كانَ العَبيدُ يَقومونَ بِها عِندَ استِقبالِ الضُيوف، قامَ بِها الرَّبَّ لِيَستَضيفَ تَلاميذَهُ الخَطَأَة عَلى وَليمَةِ عُرسِ الحَمَل، حَيثُ سَيُصبِحَ الخُبزُ جَسَدَهُ، وَالخَمرَ دَمَهُ. لَمْ يَقُمْ بِها عَبَثًا، بَلْ كانَتْ التَّعبيرَ الأَفضَل لِتَنازُلِهِ العَجيبِ وَلِتَجَسُّدِهِ وَلِخدمَتِهِ الخَلاصِيَّة الَّتي سَيُتَمِّمَها على الصّليب.
مِنْ خِلالِ خِدمَةِ غَسلِ الأَرجُل قَدَّمَ لَنا وَلِلعالَم مَعنى القِيادَة في الخِدمَةِ المـُتَواضِعَة، وَلَيسَ في الجُلوسِ عِندَ الرَّأسِ مَعَ إِلقاءِ الأَوامِرِ الصّارِمَة. عَلَّمَنا أَنَّ القِيادَةَ تَعني الرِّعايَة وَالإِهتِمام وَالإِعتِناء، بَل أَيضًا البَذلَ وَالتَّضِحيَةَ مِنْ أَجلِ الآخر. في عالَمِنا نَجِدُ النَّاسَ وُقودًا لَدى رُؤساءِ شُعوبِهِم وَلَدى إِيديولوجِيَّاتِهِم الدينيَّة وَالرَّجعِيَّة، بَينَما شِعارُ يَسوع الإِنسانُ أَوَّلًا.
في العَشاءِ الأَخير نَسمَع يَسوع يَتَكَلَّم عَنْ تَسليمِهِ وَاضطِهادِهِ وَضَربِهِ وَمَوتِه، وَلَمْ نَراهُ يَتَّخِذُ مَوقِفًا إِستِباقِيًّا، مِثلَ حَجزِ يَهوذا الإِسخَريوطيّ وَتَقييدِهِ في العِلّيَّة أَو حَتّى التَخَلُّصَ مِنهُ، بَل اختارَ طَريقَ المـُواجَهَة بِقُوَّةِ المـَحَبَّة. في العَشاءِ الأَخير أَعطى ذاتَهُ، وَبِخاصَّةٍ لِكُلِّ الفُقَراء وَالمـُضطَهَدينَ، مِن خِلالِ سِرّ الإِفخارِستيَّا. مُنذُ تِلكَ اللَّحظَة أَصبَحَوا عَلى الرُّغمِ مِن حالاتِهِم المُزرِيَة وَالقاسِيَة وَالمـُؤلِمَة مُتَّحِدينَ بِذَبيحَةِ القُربان-ذَبيحَةِ الصّليب. لَقَد أَزالَ عَنَّا جَميعًا وِشاحَ العَبَثِيَّة وَاللَّامَعنى وَضَمَّنا إِلَيهِ، وَهَذِهِ هيَ التَّعزِيَةُ الكُبرى لِكُلِّ مَنْ يُؤمِن بِهِ.
اليَومَ في العالَمِ حَروبٌ ناشِبَة، وَهُناكَ ضَحايا أَبرِياءَ يَموتون، هُمْ لِرُؤساءِ الأُمَمِ أَرقامًا وَأَعدادًا تَتَهاوى، وَلَكِنْ عِندَ يَسوعُ لَهُمْ المـَكانَة الأُولى وَنَحوَهُمْ يَنحَي كُلَّ يَومٍ في القُربانِ المـُقَدَّس. لَيسَ الإِحتِفالُ بِالقُدَّاسِ الإِلَهيّ يَومِيًّا فِعلًا لا جَدوى مِنْهُ، إِنَّهُ السِّرُّ الَّذي فيهِ يَستَمِرُّ خَلاصُ العالَم وَيَتَحَقَّقُ يَومًا بَعدَ يَومٍ في ذَبيحَةِ المـَسيح. في القُدَّاسِ الإِلَهيّ لا نَسأَلُ المـُعجِزاتَ وَالأَعاجيب، بَلْ نَعيشُ فِصحَ المـَسيح فَنَموتُ مَعَهُ وَنَحيا مَعَهُ، وَفي هَذِهِ الحَرَكَةِ الرُّوحِيَّة اللَّامُتَناهِيَة تُضَمُّ الإِنسانِيَّةُ المـَجروحَة إِلى قَلبِ الإِبنِ الوَحيد الفادي مَرضاةُ الآب.
هذا هوَ العَهدُ الجَديد الَّذي أَعطانا إِيَّاهُ الرَّبُّ. في الوَقتِ الَّذي نَرى فيهِ الظّلامَ يَكتَسِحُ الأَرضَ وَالظُّلْمُ يَسودُها، نُشاهِدُ بِعَينِ الإِيمانِ أَرضًا جَديدَةً وَسماءً جَديدَةً أُعطِيَت لَنا في يَسوع المـَسيح. مُقاوَمُتنا اليَومَ تَقومُ عَلى إِعلانِ وَنَشرِ تَعليمَ أَعمالَ “الرَّبَّ وَالمـُعَلِّم”. أَن نَكونَ لِلمـَسيح، هذا يَعني أَن نَنبُذَ كُلَّ فِكرٍ آخَر، وَأَن نُواجِهَ بِالإِيمانِ إِيديولوجِيَّاتِ هذا العالَم بِقُوَّةِ المـَحَبَّة الَّتي تَجَلَّت بَينَ كَسرِ الخُبزِ وَرفَعِ الكأَسِ وَغَسلِ الأَرجُل. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام