تابعونا على صفحاتنا

مقالات

مَحَبَّةُ الرَّبّ تَشفي عُيونَنا لِنُؤمِنَ بِهِ فَنَراهُ!

لَيسَ الإِيمانُ بِأَمرٍ سَهلٍ يَبلُغ إِلَيهِ الإِنسان لِمُجَرَّد أَنَّهُ يَتَبنَّى مُعتَقَدًا مُعَيَّن. لَيسَ الإِيمانُ تَسليمًا لِعَقيدَةٍ وَفِكرَةٍ وَفَلسَفَةٍ مُحَدَّدَة. لا يَعني إِذا كُنتُ أُصَدِّق مُعتَقَد الكَنيسَة هذا يَعني أَنَّني أُؤمِن بِهِ، إِنطِلاقًا لِأَنَّنا وُلِدَتُ في بَيتٍ مَسيحيّ وَتَرَعَرَعتُ في بيئَةٍ مُحافِظَةٍ. صَحيحٌ أَنَّ الإِيمانَ يَأتي مِنَ السَّماع وَفقَ ما يَقول القِدّيس بُولُس، وَلَكِنْ الإِيمانُ يَستَلزِمُ اعتِناقًا إِرادِيًّا وَحُرًّا. عِندَما نَقولُ حُرًّا يَعني أَنَّهُ مَقرونٌ بِالشَّكِ وَالتَّساؤُلِ وَالبَحث وَالتَّفكير وَجهدِ الصّلاة لِيَبلُغَ النُّضجَ بِقُوَّةِ الإِختِبار. ما أَرَدنا أَن نَقولَهُ قَبلَ ذي بَدءٍ الإِيمانُ نِعمَةٌ يَعيشُهُ الإِنسانُ المُؤمِن كَمَسيرَةِ نُضوجٍ مُتَدَرِّجَة.
عِندَما نَتَأَمَّل في آيَةِ شِفاءِ الأَعمى الشحّاذ الَّذي كانَ يَستَعطي في هَيكَلِ أُورَشَليم، نَفهَم تَمامًا مَعنى مَسيرَة الإِيمان المـُحَرِّرَة. بِدايَةً نَرى واقِع الأَعمى وَحالَتَهُ مَوضوع نَقاشٍ بَينَ التَّلاميذ والرَّبَّ يَسوع من مُنطَلَقِ مُعتَقَداتِهِم اليَهودِيَّة في مَسأَلة الخَطيئَة وَاللَّعنة وَالمـَرَض. بَعدَ ذَلِكَ نُشاهِد يَسوع يَتَحَرَّك نَحوَ ذاكَ الأَعمى لِيَقومَ بِفِعلٍ مُماثِلٍ لِما صَنَعَهُ اللهُ عِندَما خَلَقَ الإِنسانَ في جَنَّةِ عَدَنٍ، وَبِهذا الفِعل يُشير إِلى أَنَّ الإِيمانَ لِيَكونَ وَيَعمَل فينا يَستَدعي خَلقًا جَديدًا وِلادَةً جَديدَةً. لَمْ يَطلُب الرَّبَّ يَسوعَ مِنْ ذاكَ الرَّجُل أَن يَكونَ تائِبًا وَلَم يَسأَلهُ إذا كانَ يُؤمِن بِهِ أَم لا، بَلْ بادَرَ إِلَيهِ بِفِعلٍ مَحَبَّةٍ مَجَّانِيَّة وَبَعدَ ذَلِكَ انسَحَب.
عَلى وَقعِ آيَةِ الشِّفاء أَصبَحَ لِذاكَ الرَّجُلِ الَّذي كانَ أَعمًى إِختِبارًا شَخصِيًّا ذو بُعدَين: حالَةُ الظُّلْمَة وَعَدَم الرُّؤيا قَبلَ الشِّفاء، وَحالَة النُّورِ وَالرُّؤيا بَعدَ الشِّفاء وَبَينَ هَذَينِ البُعدَين الرَّبَّ يَسوع الَّذي شَفاهُ. بَعدَ ذَلِكَ أَصبَحَ هذا الرَّجُل مَدعاةَ تَعَجُّبٍ بَينَ النَّاسِ وَبِخاصَّةٍ لَدى الفَرّيسيّين، كُلُّ الَّذينَ عَرَفوه مُتَأَكِّدونَ تَمامًا أَنَّهُ وُلِدَ أَعمى، وَلَكِن ها هُمْ يُشاهِدونَهُ يَرى وَيَمشي وَيُمَيِّز وَأَبعَد مِنْ ذَلِكَ يُجاهِر بِإِيمانِهِ. عِندَما سُئِلَ عَمَّنْ شَفاه قالَ أَنَّهُ الرَّجُل الَّذي يُدعى يَسوع، وَقالَ فيهِ أَيضًا قَدْ يَكونُ نَبِيًّا. لَقَدْ عَرَفَ أَنَّ ما صَنَعَهُ هوَ خَيرٌ وَكُلُّ ما يَأتي مِنْ عِندِ اللهِ هوَ خَير. وَلَو كانَ يَسوعُ شرّيرًا لِما أَعطاهُ اللهُ نِعمَةَ الشِّفاءِ لِيَصنَعَ الخَير. بَعدَما واجَهَ المـُجتَمَعَ لا بِعِلمِهِ وَأفكارِهِ بَل باختِبارِهِ وإِيمانِهِ عادَ وَرأَى يَسوع مَرَّةً ثانِيَة، فَسَأَلَهُ الرَّبّ إِن كانَ يُؤمِن بابنِ الإِنسان، بِتَعبيرٍ آخَر إِن كانَ يُؤمِن أَنَّهُ ابنُ الله، فَأَعلَنَ إِيمانَهُ بِهِ جَهرًا.
آيَةُ شِفاءِ الأَعمى تُبَيِّنُ لَنا أَنَّ الإِيمانَ بِمَثابَةِ نورِ الشَّمسِ يَبدَأ سُطوعَه مِثلَها عِندَ الفَجر لِكِنَّهُ يَبلُغُ الذُروَة فَلا تَعُدْ تَعرِفُ الغِيابَ. لَقد تَمَسَّكَ الفَرّيسيّونَ وَالكَتَبَةُ وَاليَهودَ بِمُعتَقَداتِهِم وَما حادوا عَنها قَيدَ أُنمُلَة وَرُغبَ ذَلِكَ لَم يَكُنْ لَدَيهِم الإيمان، فَهُمْ بِمَثابَةِ أُناسٍ مُتَعَصّبينِ وَعَقائِدِيّين. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا نَحنُ مَدعُوّونَ لِنَسأَلَ أَنفُسَنا إِذا كُنَّا حَقًّا مُؤمنينَ أَم عَقائِدِيّين وَالفَرقُ كَبيرٌ بَينَهُما. الإِيمانُ المـَقرون بِرُؤيَةِ المـُعَلِّم يَسوع النّاصِري ابنُ مَريَم الَّذي عُرِفَ بابنِ النَّجار عَلى أَنَّهُ ابنُ اللهِ يَستَدعي مِنَّا شَهادَةً وَمُجاهَرَةً بِما يُحدِثُهُ في قُلوبِنا. بَعدَما كانَ الأَعمى شَحَّاذًا يَستَعطي بِخَجَلٍ وَخَوفٍ وَذَنبٍ، أَصبَحَ مِعطاءً شُجاعًا وَجَريئًا يُجاهِرُ بِقَولِ الحَقّ وَيُشيرُ إِلى الخَير.
نَجِدُ عِندَ القِدّيسِ بولُس قَولًا مُمَيَّزًا: “الإِيمان العامِل بِالمـَحَبَّة”. عِندَما نَتَأَمَّل في آيَةِ شِفاءِ الأَعمى نَفهَمَ قَصدَ هَذا التَّعبير الَّذي يُساعِدُنا لِنُمَيِّزَ إِيمانَنا الشَّخصيّ. الإِيمانُ المـُتَأَتّي مِنَ اللهِ يَقودُنا إِلى اللهِ حَتْمًا وَإِلى كُلّ ما هوَ مِنْ عِندِ اللهِ مِنْ فَضائِلَ وَنِعَمٍ وَبَرَكاتٍ وَفقَ القِدّيس بُولُس: “مِن صَلاحٍ وَبِرٍّ وَحَقّ”. لَمْ يُساوِم الرَّجُل الَّذي كانَ أَعمى عَلى الحَقيقَة وواجَهَ مُجتَمَعَهُ الأَكثَريّ الرَّافِضِ لَهُ بِفَضلِ ثَباتِهِ بِالحَقّ المـَقرونِ بِالخَير. لَمْ يَحِد قَيدَ أُنْمُلَةٍ واحِدَةٍ عَنْ شُكرِه وَامتِنانِهِ للنِّعمَةِ الّتي أُعطِيَت لَهُ وَالَّتي جَعَلَتْهُ على يَقينٍ تامَّ أَنَّ يَسوع هوَ نَبِيٌّ مِنْ عِندِ اللهِ لِأَنَّ اللهَ يُؤَيِّدُهُ وَيَستَجيبُ لَهُ إِلى حَدٍّ يَشفي الخَطَأَة وَيُحَرِّرَهُمْ مِنَ ظُلمَةِ المـَوتِ إِلى ضِياءِ نورِ الحَياة. لِنَعودَ وَنَراهُ مَرَّةً جَديدَةٍ عِندَ لِقائِهِ فيهِ وَجهًا لِوَجهٍ يُعلِنُ إِيمانَهُ ساجِدًا أَمامَهُ: أَنَّهُ ابنُ الإِنسان وَفقَ الكِتابِ المـُقَدَّس يَعني أَنَّهُ الدَيَّان وَبِالتَّالي تَنكَشِف هُوِيَّة يَسوع عَلى أَنَّهُ ابنُ اللهِ حَقًّا الَّذي سَيَدينُ الأَحياءَ وَالأَموات.
عِندَما نُماثِل مَسيرَةَ المـَرأَة السَّامِرِيَّة وَهذا الرَّجُل الَّذي كانَ أَعمى، نُشاهِدُ وَنَفهَم ما مَعنى الإِيمانُ مَسيرَةُ نُضوجٍ في مَعرِفَةِ الرَّبِّ عَلى مُستَوى يَقينِ القَلب وَالإِلتِزام الَّتي تُؤَدّي إِلى وِلادَة جَديدَة. في كِلا اللِّقاءَينِ نَجِدُ عُنصُرَ الماءِ مَوجودًا، وهذا ما يُذَكِّرُنا بِمياهِ مَعمودِيَّتِنا الَّتي تَعني الوِلادَة الجَديدَة وَالَّتي تَستَدعي التَّعليم وَفقًا للرُّوحِ القُدُس. مِن هُنا نَحنُ مَدعُوّونَ اليَوم لِأَن نُعايِنَ الرَّبَّ يَسوع نورُ العالَم وَأَن نَتْبَعَهُ لِئَلَّا نَبقى في ظَلامِ نُفوسِنا. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام