تابعونا على صفحاتنا

مقالات

عِندَ البِئرِ كَشَفَ يَسوع لَنا كَيفَ يُعطينا الماءَ الحي!

يُخبِرنا الإِنجيل لَيسَ فَقَط عَنْ أُلوهِيَّةِ الرَّبَّ يَسوع وَما تَتَمَتَّع بِهِ مِنْ حِكمَةٍ وَقُوَّةٍ عَجائِبِيَّة بَل أَيضًا عَنْ إِنسانِيَّتِهِ وَضُعفِهِ البَشَريّ. نَراهُ يَجوع وَيَعطَش وَيَتْعَبْ وَيَسأَل تَلبِيَةَ حاجاتِ الجَسَد الأَساسِيَّة. عِندَ تَوَقُّفِنا أَمامَ مَشهَد لِقاءَ الرَّبَّ يَسوع بالمَرأَة السَّامِريَّة نَكتَشِفُ في هذا اللِّقاءَ عِدَّةَ أَبعادٍ وَمُستَوَياتٍ إِجتِماعِيَّة وَروحِيَّة وَلاهوتِيَّة في الآنِ مَعًا، إِلى حَدٍّ أَصبَحَ هذا اللِّقاء مُقَدِّمَةً بَنَّاءَة لِكَيْ نَلتَقي بِدَورِنا بِالرّبّ يَسوع، وَلِكَيْ نُمَيِّزَ التَّحَوُّلَ الَّذي يُحدِثُهُ فينا فَنَنتَقِل مِنْ أُناسٍ خَطَأَة هارِبينَ مِنْ أنفُسِنا وَالمـجتَمَع إِلى أُناسٍ يَشهَدونَ للمـَسيح، لا عَلى مُستَوى السَّماع وَالإِيمانِ المـَوروثِ بَل عَلى مُستَوى اللّقاء وَالإِختِبارَ الشَّخصيّ.
لَقَدْ أَدّى مَوتُ واستِشهاد يوحنَّا المَعمدان إِلى هُروبِ يَسوع وَتَلاميذه مِنْ عِبرِ الأُردُن إِلى الجَليل. وَالطَّريقُ الّتي اتَّخذوها لَهُم كانَتْ طَريقُ السَّامِرَة، مِمَّا أَدَّى إِلى اللِّقاءِ المـُمَيَّز بَينَ يَسوع الهارِبِ خَوفًا مِنَ القَتلِ وَالإِضطِهاد، وَالمـَرأَة السامِرِيَّة الهارِبَة مِنْ ماضيها السَيّء وَمِنْ أَحكامِ النَّاسِ عَلَيها، الَّذي أَجبَرَها عَلى تَعبِئَة جَرَّتَها عِندَ ساعَةِ الظَّهيرَة في الوَقتِ الَّذي لا يوجَد فيهِ أَيٍّ مِنَ النَّاسِ عِندَ بِئرِ يَعقوب؛ لَقَدْ جَمَعَ العَطَشُ هارِبَينِ بِبَعضِهِما البَعض. كُلّ البَشَرِيَّة اليَوم عَطشانَةٌ إِلى المـَعنى، عَطشانَةٌ إِلى الحَقيقَة وَإِلى الإِنسانِيَّة الحَقَّة. لِقاءُ يَسوع بِالمـَرأَة السّامِرِيَّة بَدَأ بِإِبداءِ طَلَب شُرب ماءٍ أَيْ مِنْ حاجَةٍ وَضَرورَةٍ أَساسِيَّة وَعادِيَّة، لِيَتَحَوَّل هذا الطَّلَب إِلى حاجَة وَضَرورَة روحِيَّة أَساسِيَّة.
لَيسَ شُعورُ العَطَش بِأَمرٍ بَسيط، لا بَل على العَكس هوَ يَطالُ البُعد الوُجوديّ فينا وَيَتَناول بُعد رَغبَة القَلب العَميقَة. لَيسَ العَطَشُ مُرتَبِطًا فَقَط بِحاجَةِ الجَسَدِ إِلى الماءِ، بَل يَمضي إِلى مُستَوى الرُّوح؛ يَمضي إِلى حاجَة الإِنسان الباحِثِ دَومًا عَنْ الله. المـُلفِت وَالمـُمَيَّز جِدًّا في لِقاءِ يَسوع بِالمـَرأَة السامِريَّة هوَ ارتِواءُ هَذَينِ الهارِبَين لِأَسبابٍ إِجتِماعِيَّة وَمَعنويَّة وَنَفسِيَّة عَنْ طَريقِ لِقائِهِما بِبَعضِهِما البَعض عَلى الرُّغمْ مِمَّا لَدَيهِما عَلى المـُستَوى الرَّمزيّ مِنْ عداءٍ تاريخيّ. يُخبِرنا الإِنجيليّ يوحَنَّا عَنْ رَدَّة الفِعلِ الأُولى لِهَذِهِ المـَرأَة الَّتي لَمْ تَتَقَبَّل مُحادَثَة رَجُلٍ يَهوديٍّ مَعَها عِندَ البِئر، وَبَعدَ ذَلِكَ يَمتَدّ هذا اللّقاء إِلى حَديثٍ طَويل يَتَناوَل تاريخَ كِلَيهِما المـُعادي كَيَهودٍ وَسامِريّين لِيَبْلُغَ أَخيرًا إِلى عِبادَةِ اللهِ بِالرُّوحِ وَالحَقّ.
كما عَرَفَ الرَّبَّ يَسوع التَّعاطي الجَيِّد وَالصّالِح وَالبنَّاء مَع الرَّفضَ وَالكَراهِيَّةَ المـَوجودينَ لَدى المَرأَة السامِرِيَّة تُجاهَهُ كَرَجُلٍ يَهوديّ، هوَ يَعرِفُنا تَمامًا في عَلاقاتِنا مَع أَنفُسِنا وَمَع بَعضِنا البَعضَ وَمَع الله. هوَ يَعرِف تَمامًا كَيفَ يُروي عَطَشَنا عَنْ طَريقِ اقتِيادِنا وَدَفعِنا للِّقاءِ مَع مَنْ جَعَلناهُم أَعداءً لَنا، لِكَي يَشفينا مَعًا وَيُحَرِّرَنا عَنْ طَريقِ المـُصالَحَة وَالمـَحَبَّة. مَعَ المَرأَة السامِريَّة كَسَرَ يَسوع كُلّ الحَواجِز وَالأَحكامِ المُسبَقَة المُتَتَأتِّيَة مِنْ تاريخٍ عَميقٍ مَليء بِالعُنفِ والقَتل وَالثّأر. لِقاءُ يَسوع بالمـَرأَة السامِريَّة يُسَلِّطُ الضّوءَ أَوّلًا على عَطَشِنا لِفَهمِ الآخر الّذي يَستَدعي مِنَّا انفِتاحًا شُجاعًا عَلَيهِ وَإِسقاطِ كلّ الأَحكام وَالمـَواقِف وَالمـَشاعِر السّلبِيَّة، لِلوُلوجِ إِلى مَنْ يَجمَعنا بِبَعضِنا البَعض.
بِإِمكانِنا أَن نَرى عَنْ طَريقِ لِقاءِ الرَّبَّ يَسوع بِالمـَرأَة السامِرِيَّة مَنهَج المـُضيّ في اللِّقاءِ مَع الآخَر المـُختَلِف، إِنطِلاقًا مِنْ إِنسانِيَّتَنا المـُشتَرَكَة، وَعَطَشَنا المـُشتَرَك إِلى المـَعنى وَالقيمَة وَالوجود وَفي العُمقِ إِلى الله في حَدِّ ذاتِهِ. في وَقتٍ نُشاهِدُ فيهِ أَكبَر دُوَل العالَم تَتَحارَب وَتَتصارَع فيما بَينَها، نَرى يَسوع يُعَلِّمُنا كَيفَ نَضَعَ جانِبًا الأَحكامَ المـُسبَقَة وَنُسارِع لِنَنظُرَ مَعًا إِلى عَطَشِنا المـُشتَرَك إِلى المـَحَبَّة وَالسّلام. قَدَّمَ يَسوعُ ذاتَهُ عَلى أَنَّهُ العَطشان وَالضّعيف وَالمـُحتاج إِلى خِدمَةٍ مِنَ المـَرأَة السامِرِيَّة، لَكِنَّهُ في الحَقيقَة أَروى عَطَشَ تِلكَ المـَرأَة الَّتي خارِجيًّا اعتُبِرَت خاطِئَة بِسَبَبِ زَواجِها أَو ارتِباطِها بِسِتَّةِ رِجالٍ، أَمَّا داخِلِيًّا فَكَانَتْ تَبحَث في العُمقِ عَنْ حَقيقَةِ العِبادَةِ للهِ، فَوَجَدَتْها في يَسوع العَطشان واليَهوديّ وَالنَبّي وَالمـَسيح وابنُ اللهِ مُخَلِّصَ العالَم؛ إِنَّهُ الرَّجُل السابِع وَالعَريسُ السّماويّ.
يُعَلُّمنا لِقاءُ الرَّبَّ يَسوع بِالمـَرأَة السّامِريَّة الكَثير لِحَياتِنا الإِنسانِيَّة الإِجتِماعيَّة وَالرُّوحِيَّة: إِمكانيَّة اللِّقاءَ بِالله الحَقّ عَن طَريقِ الآخَر المـُختَلِف عَنَّا. يَحُثُّنا عَلى الإِنفِتاح وَالدُّخول بِحوارٍ حَقيقيّ مَبنيّ على الصّدق مَعَ بَعضِنا وَمَعَ الرَّبّ. فيهِ نَضَع الحاجة وَالضّرورَة وَالجَوهَر على ميزانِ التَمييز. يُخرِجُنا مِنْ إِطارِ التَّمَسُّك وَالتَّعَلُّق بِمُعتَقَداتِنا الشّخصِيَّة وَالتاريخيَّة وَالإِجتِماعِيَّة لِيَضَعَنا عِندَ حُضورِ وَعِبادَة اللهِ الحَقَّة في حَياتِنا. مَعَ يَسوع وَحدَهُ يُعطى لَنا “الماءُ الحَقّ” التّعليمُ الحَقّ الّذي يُحَرَّر بَشَرِيَّتَنا مِنَ الإنقِسام لِتَجِدَ وَحدَتَها فيهِ هوَ مُخَلِّصَ العالَمِ أَجمَع. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام