تابعونا على صفحاتنا

مقالات

وَحدَهُ يَسوع يَجعَلُنا نَسمَع صَوتَ الآب وَنَتَذَوّق طَعمَ الصّلاة!

يَندَرِجُ حَدَثُ التَّجَليّ في الأَناجيل الإزائيَّة مُباشَرَةً بَعدَ إِعلان بُطرُس وَالتَّلاميذ هُوِيَّةَ يَسوع الإِلَهِيَّة وَرِسالَتَهُ الخَلاصِيَّة، وَبَعدَ تَأَكيدِه أَنَّ على ابنِ الإِنسانِ أَن يُعاني آلامًا كَثيرَةً وَيُقتَل وَفي اليَومِ الثالِثِ يَقوم. لَقَدْ تَثَنَّى للتَّلاميذِ الثّلاثَة بُطرُس وَيَعقوب وَيوحَنَّا أَنْ يَختَبِروا وَيُشاهِدوا هَذا الإِختِبارَ العَظيم وَالفَريد دونَ سِواهُم، وَالَّذي فيهِ تَجَلَّى الرَّبَّ يَسوع بِهُوِيَّتِهِ الإِلَهِيَّة بِشَكلٍ صافٍ وَنَقِيٍّ وَبَهِيّ. مِن هُنا نَسأَل ما الهَدَف الَّذي أَرادَ الرَّبَّ يَسوع إيصالَهُ لتَلاميذِهِ؟ هَلْ كانَ مِنَ الضّروريّ أَن يَتَجَلَّى عَلى مَرأىً مِنْهُم، وَما هوَ الفَرق بَينَ ظُهورِهِ عَلَيهِم بَعدَ القِيامَة وَلَحظَةَ تَجَليّهِ عَلى الجَبَل؟
لا يُمكِنُنا فَهمَ حَدَثَ التَّجَليّ بَعيدًا عَنْ هوِيَّة المـَسيح. كانَ اليَهودُ يَنتَظِرونَ مَجيءَ المـَسيحِ أَن يَأتي مِنْ نَسلِ داود كَمَلِكٍ سِياسيّ وروحيّ يَبسُط سُلطَتَهُ وَيُعطي السّلامَ لِشَعبِهِ مُعيدًا لَهُ المـَجدَ، فَلَمْ يَتَوَقَّعوا أَنْ يَكونَ المـَسيحَ هوَ ابنُ اللهِ حَقًّا. بَعدَما أَعلَنَ سِمعانَ بُطرُس في قَيصَرِيَّةَ فيليبُّس أَنَّ يَسوعَ النّاصِريّ هوَ المـَسيح ابنُ اللهِ الحَيّ، وَبَعدَما أَكَّدَ لَهُ يَسوعُ بِقَولِهِ: “طوبى لَكَ يا سِمعانَ بنَ يونا، فَلَيسَ اللَّحمُ وَالدَّمُ كَشَفا لَكَ هذا، بَلْ أَبي الَّذي في السَّموات”، أَصبَحَ هَدَف التَّجَليّ تَثبيت هَذِهِ الحَقيقَة عَلى مُستَوى المـُعايَنَة وَالإِختِبار المـُباشَر.
يُرَجِّح عُلَماءُ الآثارِ وَاستِتباعًا لشَهادَةِ بُطرُس في قَيصَرِيَّةِ فيليبُّس أَنَّ حَدَثَ التَّجَلّي قَدْ تَمَّ عَلى جَبَلِ حَرَمون، والَّذي يَعني اسمَهُ في اللُّغَّةِ الآرامِيَّة: الجَبَل المـُقَدَّس أو المـُكَرَّس، وَهوَ أَعلى جَبل في مِنطَقَةِ الجَليلِ كُلِّها. إِلى هُناكَ مَضى يَسوع بِرِفقَةِ بُطرُس وَيَعقوبَ وَيوحَنَّا الَّذينَ شَاهَدوا أَكبَرَ مُعجِزاتِه. كانَ مِنْ طَبيعَة حَياةِ الرَّبَّ يَسوع اليَومِيَّة أَن يَمضي لَيلًا إِِلى الجِبالِ أو إِلى القَفرِ وَالأَماكِنِ المـُنعَزِلَة للصّلاةِ، وَبالتَّالي نَراهُ هُنا يُدخِلُنا في حَقيقَةِ هذا الحَدَث مِنْ خِلالِ شَهادَةِ التَّلاميذ وَبِخاصَّةٍ يُوحَنَّا الَّذي رَكَّزَ إِنجيلَهُ عَلى هُوِيَّة يَسوع الإِلَهِيَّة، وَشَهادَة بُطرُس في رِسالَتِهِ الثَّانِيَّة حَيثُ يَقول: “قَدْ أَطلَعناكُمْ عَلى قُدرَةِ رَبِّنا يَسوعَ المـَسيحِ وَعلى مَجيئِهِ، لا اتِّباعًا مِنَّا لِخُرافاتٍ سوفِسطائيَّة، بَل لِأَنَّنا عايَنَّا جَلالَهُ. فَقَد نالَ مِنَ اللهِ الآب إِكرامًا وَمَجدًا، إِذْ جاءَهُ مِنَ المـَجدِ – جَلَّ جَلالُهُ – صَوتٌ يَقول: “هذا هو ابني الحَبيبُ الَّذي عَنْهُ رَضيت”: وذاكَ الصَّوتُ قَدْ سَمِعناهُ آتِيًا مِنَ السَّماءِ، إِذْ كُنَّا مَعَهُ على الجَبَلِ المـُقَدَّس.
هُناكَ عَلى الجَبَل في صَميمِ تَجَلّيّ الرَّبَّ يَسوع بِهُويَّتِهِ الإِلَهيَّة تَجَلَّت للتّلاميذ وَللكَنيسَةِ مِن بَعدِهِمْ مَجموعَة حَقائِق، تُبَيِّن لَنا مَكانَة وَضَرورَة هَذا الحَدَثْ في سِياقِ رِسالَةِ يَسوع التَبشيريَّة وَهيَ: أَوَّلًا أَنَّ يَسوع هوَ اللهُ وابنُ اللهِ في طَبيعَتِهِ الجَوهَرِيَّة، كَما نُعلِن في قانون الإِيمان هو نورٌ مِنْ نور، والآبُ قالَ فيهِ: هذا هو ابني الحَبيب الَّذي عَنْهُ رَضيت. ثانِيًا مَعَ تَجَلّي يَسوع تَجَلَّى أَيضًا سِرُّ الثالوث الأَقدَس: سُمِعَ صَوتُ الآب، شُهِدَ وَجهُ الإِبنَ النّورانيّ، وَغَمامَة الرُّوح القُدُسِ ظَلَّلَتْهُم. ثالِثًا تَجَلَّى دَور التدبير الخَلاصيّ المـُدَوَّن في الكِتاب المـُقَدَّس مِن خِلالِ حُضورِ موسى مُمَثّلًا الشَريعَة، وَإِيليَّا مُمَثِّلًا الأَنبِياء، لِيُؤَكِّدَ أَنَّ مَعَ يَسوع يَكتَمِل وَيُختَمْ كُلّ الوَحيّ الإِلهيّ. رابِعًا، مَعَ ظُهورِ موسى وإِيليَّا تتَكَشَّف لَنا الحَياةَ بَعدَ المَـوت، وأَنَّ إِلَهنا إِلَهُ أَحياءٍ لا إِلَهَ أَمواتٍ. خامِسًا وَأَخيرًا مَعَ قَولِ بُطُرسُ: “حَسَنٌ أَن نَكونَ هَهُنا. فإِنْ شِئتَ، نَصَبتُ هَهُنا ثَلاثَ خِيَمٍ: واحِدَةً لَكَ وَواحِدَةً لموسى وَواحِدَةً لإِيليَّا”، نَتَذَكَّر عيدَ المَظال-عيدُ الأَنوار حيثُ كانَ اليَهود يَحتَفِلونَ بتذكار تَسَلُّم موسى الشّريعَةَ مِنَ الله، أَمَّا هُنا فَقَدْ تَسَلَّمنا سَيّد الشَّريعَةَ في حَدِّ ذاتِهِ تَحت عَلامَة “سِرِّ الفِداء” الَّذي سَيُحَقِّقَهُ على الصّليب.
صَحيحٌ أَنَّنا جَميعُنا نَتَساءَل كَيفَ بُطرُس وَيَعقوب وَيوحَنَّا الَّذينَ اختَبَروا وَشاهَدوا تَجَليّه ما بَقِيَ مِنْهُم أَحَدٌ عِندَ الصَّليب سِوى يوحَنَّا، وَكَيفَ أَنَّ بُطرُسَ نَفسَهُ أَنكَرَهُ ثَلاثَ مَرَّات. أَلَمْ يُؤَثِّر هذا الحَدَثَ في حَياتِهِم. صَحيحٌ أَيضًا أَنَّ تَجَلّي الرَّبَّ يَحمِل عَلامَةً استِباقِيَّة لِقِيامَتِهِ مِنْ بَينِ الأَموات، وَلَكِن غايَتَهُ الوَحيدَة هوَ التأكيد عَلى طَبيعَتِهِ الإِلَهيَّة، فَهوَ حَقًّا إِلَهٌ مِنْ إِلَه، نورٌ مِنْ نور. مِنْ هُنا نَفْهَم مدى تَأثير هذا الحَدَث عَلى إِيمانِ الرُّسُل وَالكَنيسَة، وَتَمايُزَهُ عَنْ ظُهوراتِ الرَّبَّ يَسوع بَعدَ المـَوتِ وَالقِيامَة. حَدَثُ التَّجَلّي يُؤَكِّد لَنا أَنَّ الَّذي تَجَسَّدَ وَعاشَ كُلّ أَبعادِ حَياتِنا هوَ ابنُ اللهِ حَقًّا، وَهوَ بِذاتِهِ قَبِلَ المـَوت. هذا التَأكيد يَنفي أَن كُلّ فِكرَة وَمُعتَقَد يَقول أَنَّهُ شُبِّهَ لَنا أَنَّهُ ماتَ على الصَّليب، أَو أَنَّ اللهَ تَبَنَّى يَسوع النَّاصِريّ بَعدَ مَوتِهِ فَأَقامَهُ مِن بَينِ الأَموات لِيُظهِرَ مَجدَهُ فيه.
في التَّجَلّي ظَهَرَتْ هُوِيَّة يَسوع الإِلَهيَّة بِشَكلٍ أَسمى وَأَرفَع مِنْ طَبيعَتِهِ الإِلَهِيَّة، وَأَضحوا التَّلاميذَ مِثلَ موسى أَمامَ العُلَّيقَةِ المـُشتَعِلَة ساجِدينَ خائِفين. بَينَما بَعدَ القِيامَة شاهَدوا جَسَدَهُ الإِنسانيّ مُمَجَّدًا وَحَيًّا، وَهُنا يَبْرُزُ الفَرقَ وَالإِختِلاف بَينَهُما. مِنَ المـُهِمّ جِدًّا لَنا اليَوم أَنَّنا عَنْ طَريقِ نِعمَةِ الصّلاةِ الصادِقَة وَالحَيَّة بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس نَستَطيعُ أَن نَتَذَوَّق وَنَختَبِر قِبصًا مِنْ ذاكَ الإِختِبارِ الإِلَهيّ. لِنُطلُب مِن الرُّوحِ القُدُس أَن يَمضي فينا مَع يَسوع إِلى الجَبَل فَنَترُكَ كُلَّ العالَم وَراءَنا لِنُعايِنَ مَجدَ اللهِ فينا. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام