تابعونا على صفحاتنا

مقالات

لَقَد دَعانا يَسوع لِعَيشِ التَطويبات!

مِنَ الأَسئِلَة الَّتي يَطرَحُها الإِنسانُ على نَفسِهِ: لِماذا خُلِقتُ؟ وَمِنَ الأُمورِ الَّتي نَرغَبْ في عيشَها وَأن نَشعُرَ فيها دائِمًا هوَ الفَرَح. هَلْ اللهُ قَدْ خَلَقَنا لِنَحزَن، ولِنَكونَ تُعَساء؟ إِيمانُنا المـَسيحيّ يُثْبِتُ العَكسَ، لَقَدْ دُعينا إِلى الفَرَح، لَيسَ فَقَط في الحَياةِ الأَبَدِيَّة وَلَكِنْ أَيضًا في حَياتِنا الزَّمَنِيَّة، هُنا وَالآن، وَإِن تَضَمَّنَت أَلَمًا وَحُرمانًا وَفَقرًا وَأَمراضًا واضطِهادًا. لَقَدْ دُعينا لِنَعيشَ الحَياةَ في مِلئِها. نَسمَعُ الرَّبَّ يَسوعَ في الإِنجيل يَدعونا لِعَيشِ التَطويبات، وَالَّتي تَعني “هَنيئًا لَكُم” كَفِعلِ فَرَح وَتَشجيع يُؤَدّي إِلى مَزيدٍ مِنَ الفَرَحِ وَالسَّعادَة والغِبطَة، تَمامًا مِثلَما نَقولُ لِأَولادِنا عِندَما يَنجَحوا في الدّراسَة: “هَنيئًا لَكُم”.
عِندَما نَستَمِع إِلى عِظَةِ الرَّبَّ يَسوع الأُولى على الجَبَل، نَتَساءَل وَنَندَهِش، فَأُولى دُروسِهِ لا تُرَكِّز على الوَصايا والشّريعَة وَعلى الحَرف، مِثلَما نَرى في كُتُبِ العَهدِ القَديم، بَلْ يَمضي بِنا مُباشَرَةً إِلى جَوهَر وَثِمار العَلاقَة الشّخصِيَّة وَالحَيَّة وَالحَقيقيّة مَع الله وَالّتي تُنتِجُ فَرَحًا وَتُعطي تَعزِيَةً روحِيَّةً. نَسْمَعُهُ يُطَوِّبُ الفُقَراءَ وَالوُدَعاءَ وَالحَزانى وَالجِياعَ وَالعِطاش وَالمـُضطَهَدين إِن مِن أَجلِ اسمِهِ أَو مِنْ أَجلِ كُلّ خَيرٍ وَصَلاح. لا نستَغرِبُ أَبَدًا تَطويبَهُ للرُّحَماءِ أَو أَنقِياءِ القُلوب أَو السّاعين إِلى السلام، فَكَيفَ لَنا أَن نَقبَلَ هذا التَّناقُض وَنَحنُ في حَياتِنا نَنفُرُ مِنَ الفَقرِ وَلا نَرضى أَن نَكونَ ودَعاءَ أَي ضُعَفاءَ وَبُسَطاءَ تُؤكَل حُقوقنا، وَحَزانى وَعطاشٌ وَجِياعٌ وَمُضْطَهَدين؟
لا نَستَطيعُ بَتاتًا أَن نَفهَمْ التَّطويبات خارِج العَلاقَة البَنَوِيَّة مَع الله الآب. مِن دونِ البُنُوَّة للهِ الآبِ وَالَّتي عَرَفناها بِيَسوعَ المـَسيح نَمقُتُ كُلَّ تَعاليمِهِ وَبِخاصَّةٍ التَّطويبات. عِندَما نَتَمَوْضَع في حالَةِ البُنُوَّة الحَقيقيَّة للهِ الآبِ نُدرِكُ تَمامًا ما مَعنى أَن نَكونَ فُقَراء أَو مَساكينَ الرُّوح، وَذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ ثِقَتَنا واتِّكالَنا على مَنْ يَرزُقُ كُلّ ذي جَسَدٍ طَعامَهُ وَيُعنى بِطيورِ السّماءِ ويُلبِسُ زَنابِقَ الحَقل. فَلا يَعُد المال وَالسُّلطَة وَالجاه هُمْ مَصدَرَ أَمانِنا، بَل على العَكْس. عِندَما نَعيشُ البُنُوَّة الحَقيقيّة مَع يَسوع وَمِثلَهُ، لا نَعُد نُدافِع عَنْ كَرامَتِنا بِالعُنفِ وَالقُوَّة، وَلا نَعُدْ نَخشى عَلَيها أَبَدًا، لأَنَّنا على يَقينٍ أَنَّها دائِمًا مَحفوظَة، لا بَلْ مُصانَة عِندَ أَبينا السَّماويّ، وَبالتَّالي نَعيشُ الوَداعَة كَعَلامَةٍ لِثِقَتِنا الثابِتَة بِهِ. كَذَلِكَ الأَمرُ بِالنِّسبَة إِلى المـَحزونينَ فَتَعزِيَتِهِم باتَت حُضورَ يَسوعَ إِلى جانِبِهِم الَّذي يَستَطيعُ أَن يُبَلسِمَ جِراحَهُم وَجِراحَ المـُضطَهَدين، وَأَن يُعطي لِأَحزانِهِم ولآلامِهِم وأَوجاعِهِم مِلءَ المـَعنى حَيثُ السّلام.
كُلُّ التَّطويبات الَّتي أَطلَقَها الرَّبَّ يَسوع لا نَستَطيع فهَمَها خارِجَ البُنُوَّة للهِ وَخارِجَ مَحَبَّتِهِ. لَقَدْ أَرادَ الرَّبَّ يَسوع مِنْ خِلالِ عِظَتِهِ هَذِه أَن يَكشِفَ لَنا كَيفَ باستِطاعَتِنا الدُّخولَ إِلى مَلَكوتِ الله، وَالمـُفتاح هوَ الثِّقَة الَّتي تَجعَلُنا نَتَخَلّى عَنْ كُلِّ شَيءٍ يَمْنَعُنا عَنْ مَحَبَّتِهِ، وَعِندَئِذٍ نَفهَمُ جَيّدًا ما مَعنى أَن نَكونَ فُقَراءَ الرُّوح. عَنْ طَريقِ هَذِهِ المـَشورَة الإِنجيليَّة نَعتَرِف أَنَّ كُلَّ خَيرٍ وَنِعْمَةٍ فينا وَفي حَياتِنا هيَ مِنْ عِندِ أبا الأَنوار السّماويّة. هُنا عَلَينا أَن نَسأَل أَنفُسَنا: هَل نَثِقُ بِاللهِ أَبينا؟ هَل نُسَلّم حَياتَنا لَهُ؟ لا يُمكِنُنا أَن نَعيشَ التّطويبات، إِذا لَم نَعِش كَأَبناءٍ وَبَناتٍ لله، وَبالتّالي إِذا لَمْ نَعشِ كَأَبناءٍ وَبَناتٍ لله، فَنَحنُ نَعيشُ مِثلَ العَبيد لا نَعرِفُ أُبُوَّة الله، وَنَخافُ مِنَ الشّريعَةِ أَو نَجهَلُها وَهُنا نَعيشُ اللَّامُبالاةَ وَاللَّامَعنى في حَياتِنا.
مِن بَينِ التَّطويبات التِّسعَة الَّتي أَعلَنها الرَّبَّ يَسوع على الجَبَل، يوجَد طوبى رُبَّما قَدْ تَعني جَميعَ النَّاس بشَكلٍ مُمَيَّز، وهيَ: “طوبى للجِياعِ وَالعِطاشِ إِلى البِرّ، فَإِنَّهُمْ يُشبَعون”. فَهيَ تَتَناوَل مَوضوع الرَّغبَة الصادِقَة الَّتي تُعَبِّر مِنْ جِهَةٍ عَنْ عَجزِ الإِرادَة عَلى صُنعِ الخَيرِ وَالإِبتِعادِ عَنْ الشَّرّ، وَمِنْ جِهَةٍ ثانِيَة تُعَبِّر عَنْ صُدقِ النِّيَّة الَّتي تَلتَمِسُ الخَير وَالبِرَّ وَالصّلاح. تَحُثُّنا هَذِهِ الطوبى لِنُمَيّزَ رَغبَةَ قَلبِنا، فَلا يوجَد إِنسانٌ عاقِلٌ لا يَرغَبُ بِالخَيرِ لِذاتِه، وَلَكِنْ هُنا عِندَما نَتَكَلَّم عَنْ البِرّ أَيْ عَيش كُل ما هوَ جَيّد وَصالِح وَمُفيد وَبَنَّاء مَع الآخَرين. هَلْ لَدَينا هَذِهِ الرَّغبَة وَصِدقَ النّيَّة لِنَكونَ مُستَقيمينَ، فَنَسُدَّ جوعَنا وَنَروي عَطَشَنا، أَم نَحنُ ما زِلنا نَدورُ حَولَ أَنفُسَنا وَنَنتَظِرُ مِنَ الآخرينَ تَلبِيَةَ حاجاتِنا، ولا نَخرُج إِلَيهم؟
نَحنُ الَّذينَ نَنتَظِرُ تَهنِئَة الآخرينَ وَتَشجيعِهِم. نَحنُ الَّذينَ نَرغَبُ أَن نَكونَ سُعَداءَ في حَياتِنا، فَهَل نَحنُ في صَميمِ قُلوبِنا سُعداء حَقًّا؟ هَل بإِمكانِنا مَعرِفَة الفَرَحَ الحَقيقيّ مِنْ دونِ شَخصِ يَسوع المـَسيح وَعَيشِ البُنُوَّة فيهِ وَبِهِ وَمَعَهُ للهِ الآب؟ إذا تَأَمَّلنا في نَشيدِ التَّعظيم لِمَريَم العَذراء نَفهَم تَمامًا كَيفَ عاشَت التَطويبات في حَياتِها وَكَيفَ أَثمَرَت. انطِلاقًا مِنْ هُنا، لَيسَت التّطويبات دَرسًا نَظَرِيًّا، إِنَّما هيَ مُفتاحُ الفَرَح الَّذي نَبْحَث عَنْهُ في حَياتِنا وَفي كُلِّ ظُروفِها وَأَحداثِها. الطُّوبى لِمَنْ يَسمَع كَلِمَة الله وَيُؤمِن بِها وَيَعمَلُ فيها، فَلا مَحالَة سَيَجِدُ أَنَّها روحٌ وَحَياة، وَأَنَّهُ بِقَدَرِ عَيشِهِ للتّطويباتِ يَزدادُ فَرَحًا لِأَنَّهُ يَزدادُ حُرّيَّةً وَتَحَرُّرًا. فَلنَطْلُب بِإِيمانٍ مُستَقيم نِعمَةَ عَيشِ التَّطويباتِ في حَياتِنا، آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام