تابعونا على صفحاتنا

مقالات

حَيثُ يَسوع يَنتَصِرُ النُّورُ على الظُّلمَة وَالحَياةُ عَلى المـَوت!

يُعَلِّمُنا اختِبارَنا للحَياة أَنَّنا لَسنا أَسيادَها، فَهيَ عَطِيَّةٌ ثَمينَةٌ لَنا. لَيسَ باستِطاعَتِنا السَيطَرَة عَلى مُجرَياتِ الأَحداثِ وَبِخاصَّةٍ حَيْثُ يَسودُ الشّرُّ وَالعُنفُ وَالفَقرُ وَالأُمِّيَّةُ وَاللَّاعَدالَة في المـُجتَمَع. أَمامَها نَعتَقِدُ أَنَّ حَياتَنا مُسَيَّرَةً، وَلَيسَ لَنا فيها الخَيارَ وَالحُرِّيَّة، وَلَكِنْ رُغمَ ذَلِكَ مَنْ لَدَيْهِ مِنَ الإِيمانِ ما يَكفي يَختَبِر وَيَلمُس قُوَّةَ العِنايَةَ الإِلَهِيَّةَ في حَياتِهِ. عِندَما سَمِعَ يَسوعُ بِخَبَرِ موتِ يوحَنَّا المـَعمَدان تَرَكَ اليَهودِيَّةَ وَلَجَأَ إِلى الجَليل. أَصبَحَ لاجِئًا في أَرضِ زَبولونَ وَنَفتالي، لِتْبَدَأَ شَرارَةَ بِشارَتَهِ مِنْ هُناكَ، مِنْ تِلكَ الأَرضِ المـُهَمَّشَة الَّتي تَبْعُدُ عَنْ مَركَزَ السُلطَة الدينيَّة وَالإِجتِماعيَّة، حَيثُ يَعيشُ البُسَطاء وَالفُقَراء، وَحيثُ تَعُمُّ التِّجارَة بَينَ مُختَلَف سُكانِ تِلكَ المِنْطَقَة مِن وَثَنِيّينَ وَيَهودَ وَسِواهُم.
لَيسَ بِأَمرٍ جَميلٍ أَن يَموتَ نَبِيٌّ مِثلَ يوحَنَّا المـَعمَدان، وَلَكِنَّ استِشهادَهُ أَزهَرَ وَأَثمَرَ بِدايَةَ انطِلاقِ رِسالَةَ الرَّبَّ يَسوع في مُجتَمَعِ الجَليلِ المُتَعَدِّدِ العَقائِد وَالإِنتِماءات. حَمَلَ الرَّبَّ يَسوع مِشعَلَ رِسالَةَ يوحَنَّا المَعمَدان، ونادى مِثلَهُ قائِلًا: “توبوا، فَقَد اقتَرَبَ مَلَكوتُ السَّموات”. صَحيحٌ أَنَّ يوحَنَّا المَـعمَدان جَعَلَ اليَهودِيَّةَ وَأُورَشَليم يَخرُجونَ إِلَيهِ في عِبرِ الأُردُن، أَمَّا يَسوع لَمْ يَنتَظِر أَنْ نَذهَبَ إِلَيهِ بَلْ هوَ أَتى إِلى مُلاقاةِ إِنسانِيَّتِنا القائِمَة في الضَّواحي، أَيْ في الأَماكِنْ المـُهَمَّشَة وَالفَقيرَة وَالمـَعزولَة إِنْ على المـُستَوى الرُّوحيّ أَو على المُستَوى الإِجتِماعيّ. عَلَينا أَلَّا نَنسى لَحظَةً مَنْ هُوَ إِنَّهُ “عِمَّانوئيل- أي اللهُ مَعَنا”.
لَمْ يَذهَبْ يَسوع لِيُقيمَ في النّاصِرَة، فَقَدْ خَرَجَ مِنْها وَلَمْ يَعُد إِلَيها، بَلْ أَصبَحَ مُرْسَلًا جَوَّالًا يَمضي إِلى كُلِّ مَكانٍ لِيَلتَقي فينا. لِيَدعونا عَلى مِثالِ دَعوَةِ يوحَنَّا المـَعمَدان، أَوَّلًا لِنَتوبَ، أَيْ لِنَرجِع إِلى اللهِ مَصدَرَ وجودِنا وَغايَتَهُ القُصوى، الَّذي أَعطانا الحَياةَ لِنَعيشَها في مِلئِها، لا في الطَّيشِ بَلْ بِالنِّعمَةِ وَالحَقّ. صَحيحٌ أَنَّ كِلا يوحَنَّا المـَعمَدان وَيسوع نادَيا بِالتَّوبَة، وَلَكِنْ يوجد إِختلافٌ في جَوهَرِ الدَّعَوة. مَع يوحَنَّا المَعمَدان تَقومُ التَّوبَة عَلى الإِصلاح الأَخلاقي وَالعَيشِ بِالعَدالَة والإِستِقامَة مَع القَريب. أَمَّا مَع يَسوع تَقومُ عَلى عَيشِ هُوِيَّتَنا الحَقيقيَّة كَأَبناءٍ وَبَناتٍ مَحبوبينَ مِنَ الله الآب. هذا الأَمر لا نَستَطيعُ أَن نَعرِفَهُ وَلا أَن نَتَحَقَّقَ مِنْهُ إِلَّا مِنْ خِلالِ لِقائِنا وَقَبولَنا لِدَعوَةِ المـَسيحِ لَنا. ثانِيًا، مَع يوحَنَّا المـَعمَدان نَفهَم اقتِراب مَلَكوت الله على مُستوى الرَّجاء، أَمَّا مَع يَسوع نُدرِكُهُ بِقُربِ اللهِ وَسُكناهُ في وَسَطِنا، وَأَنَّنا في المـَسيحِ أَصبَحنا وَرَثَةً لَهُ، وَعَلَيْنا أَنْ نُعِدَّ أَنفُسَنا لِلدُّخولِ إِلى رُدْهَةِ العُرْسِ السَّماويّ.
ما قُلناهُ لَهُ أَهَمِيَّة كَبيرَة، لِكَيْ نَفهَمْ ما مَعنى قَول المـَسيح “إِتبَعني”. هَذا الفِعل الَّذي جَعَلَ التّلاميذ الأَوّلين يَترُكونَ كُلّ شَيء، وَيَتبَعونَهُ. يَجعَلُنا نَفهَمْ كَيفَ أَنَّ الرَّبَّ يَسوع يَأتي إِلى حَيثُ نَعيشُ حَياتَنا اليَومِيَّة بِكُلِّ أَبعادِها. لا تَفصِلْهُ عَنَّا أَبَدًا قَذارَتَنا وَأَوضاعَنا الإِجتِماعِيَّة وَلا خَطايانا المـُقيتَة، فَقَدْ جاءَ مِنْ أَجلِنا وَمِنْ أَجلِ خَلاصِنا. لِنَتَذَكَّرَ دائِمًا أَنَّهُ لَمْ يَأتِ مِنْ أَجلِ الأَبرار، بَلْ مِن أَجلِ الخَطَأَة. ولا مِنْ أَجلِ الأَصِحَّاء، بَلْ مِنْ أَجلِ المـَرضى. وَلَمْ يَدعُ الحُكَماءَ وَالفُقَهاءَ، بَلْ البُسَطاء. وَلا ذَوي الحَسَبِ وَالنَّسَبِ، بَل الفُقَراءَ وَالمـُهَمَّشين. لَقَدْ جاءَ إِلَينا جَميعًا، لِيَدعونا وَيُعَلِّمَنا كَيفَ نَعيشُ كَأَبناءٍ وَبَناتٍ لله.
مُلفِتٌ جِدًّا أَنَّ التَّلاميذَ الأَوَّلينَ كانوا إِخوَة: سِمعانَ بُطرُس وَإِندراوُسَ أَخوه. ثُمَّ يَعقوبَ وَيوحَنَّا ابنا زَبَدى. لَقَدْ دَعا إِخوَةً لِكَيْ يَتْبَعوهُ، فَهذا لَيسَ مِنْ قَبيلِ الصُدفَةِ وَالقَدَر لا، بَلْ شِفاءٌ لِلأُخُوَّةِ الَّتي عَرَفَت وما زالَت تَعرِفُ العُنفَ وَالقَتلَ مُنذُ أَيَّامِ قايينَ وَهابيلَ حَتَّى يَومِنا هذا. جاءَ لِيَقولَ لَنا، لَيسَ باستِطاعَتِنا أَن نَعيشَ الأُخُوَّة الحَقيقيَّة إِذا لَمْ يَكُنْ في وَسَطِنا. لَقَدْ أَصبَحَ يَسوع هُوَ مَركَز ارتِباطاتِنا وَعَلاقاتِنا كُلَّها؛ فَمِن دونِه لا نَستَطيعُ شَيئًا. مُلفِتٌ جِدًّا كَيفَ أَثَّرَ يَسوعُ عَلى التَّلاميذ إِلى حَدٍّ تَرَكوا كُلَّ شَيءٍ، ماضيهِم وتاريخِهِم، والِديهِم وَأَيضًا أَعمالِهِم، أَيْ مَصدَرَ عَيشِهِم. هذا الأَمر يَقولُ لَنا شَيئًا مُهِّمًا، هوَ يُعيدُ إِلى مَسامِعِ قُلوبِنا ما قالَتْهُ يَومًا القِدّيسَة الكَبيرَة تيريزيا الأَفيليَّة: “مَنْ لَهُ يَسوع، لَهُ كُلُّ شَيء”. هنا عَلَينا أَن نَسأَل هَل نَحنُ لِلمَسيح، أَم لِأَشياءَ لا فائِدَةَ لَنا مِنها، وَمَهَمَّتَها أَن تُبعِدنا عَنْ حَقيقَةِ أَنفُسِنا؟
هذا هوَ نورُ المـَسيحِ الَّذي أَشرَقَ في ضَواحي الجَليل، الَّذي جَعَلَ النَّاسَ تُشفى مِنْ مَفاهيمِها وَمُعتَقَداتِها الخاطِئَة، لِتَعيشَ حُرّيَّةَ أَبناءِ اللهِ، الّذي يُؤمِنون بِعِنايَةِ الآبِ السَّماويّ الَّذي يُحَوِّل الشُّرورَ إِلى خَيرٍ وَمَنْفَعَةٍ لِلإِنسان، وَيَحُثَّها لِتَكتَشِفَ أَمراضَها وَخَطاياها وَبُؤسَها، فَتَتوبَ إِلى الله، لا خَوفًا مِنَ الجَحيمِ بَلْ خُروجًا مِنهُ بَعدَما كانَتْ غارِقَةً في وادي ظِلالِ مَوتِهِ، وَلا طَمَعًا بِالنَّعيمِ، بَلْ إِيمانًا بِمَحَبَّةِ اللهِ الَّذي افتَقَدها وَافتَداها مُشرِقًا بِأَنوارِ الحَياةِ الأبَدِيَّة. مِنْ هُنا كُلُّنا مَدعُوّون إِلى عَيشِ التَّوبَة، وَإِلى اتِّباعِ الرَّبَّ يَسوع لِأَنَّهُ طَريقُنا إِلى أَنفُسِنا وَإِلى الآب السَّماويّ، آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام