موقع Allah Mahabba الطّريقُ إِلى مِصر مُختَصَرٌ عَنْ حَياةِ العائِلَة المـُقَدَّسَة!
على إِمتِدادِ العُصور وَالسّنين تُقَدِّمُ الكَنيسَة لِجَميعِ عائِلاتِها عائِلَةَ النَّاصِرَة بِمَثابَةِ الأَيقونَة وَالنَّموذَج وَالمـِثال. عِندَما نَعودُ إِلى الأَناجيل وَنَتَوَقَّف عِندَ الأَحداثِ القَليلَة الَّتي يُؤتى عَلى ذِكرِها حَولَ عائِلَةِ النَّاصِرَة، نَكتَشِف الصُعوبات وَالمـَشاكِل وَالتَحَدِّياتِ وَالأَخطار وَالأَخبارِ المــُخيفَة وَالمـُؤلِمَة الَّتي رافَقَت العائِلَة المـُقَدَّسَة مُنذُ البِدايَة. يَكفينا أَن نَتَذَكَّرُها سَوِيًّا بِشَكلٍ سَريع لِنَتَأَكَّد مِنَ الأَمرِ كِفايَةً. أَوَّلًا خَبَرُ البِشارَة بِالحَبَلِ الإِلَهيّ كانَ لَيُشَكِّلْ مُشكِلَةً وَانفِصالًا بَينَ مَريَم وَيوسُف لو لَم يَتَدَخَّل الرَّبُّ بإِرسالِ مَلاكِهِ في الحُلُمِ إِلى يوسُف. ثانِيًا، تَكَبَّدا مريم وَيوسُف مَخاطِر السَّفر مِنَ النّاصِرَة إِلى بَيتَ لَحم، في الوَقتِ الَّذي كانَت فيهِ مَريَم حامِل. ثالِثًا، عِندَ وُصولِهِما لَمْ يَجِدا مَكانًا لَهُما في المـَضافَةِ، فَوَلَدَت يَسوع في إِسطَبْلٍ بَعيدٍ عَنْ النَّاسِ وَقَد يَكونُ خارِجَ المـَدينَة، وَلَمْ يَلقَيا الإِهتِمامَ وَالعِنايَة وَالرِّعايَة إِلَّا مِنَ اللهِ وَحدَهُ الّذي يُغني بِنِعَمِهِ وَبَرَكاتِهِ. رابِعًا ما هيَ أَيَّامٌ قَليلَة حَتَّى سَمِعوا نَبُؤَةَ سِمعانِ الشَّيخِ في الهَيكَل، حَولَ مَصيرِ الطفل المـَولود وَسيوفِ الأَلَم الَّتي سَتَطعُنُ قَلبَ الوالِدَة. خامِسًا أُحيطوا بِخَبَرِ قَرار هيرودُوس بِقَتلِ يَسوع، فَسارَعوا الهُروبِ إِلى مِصرَ، تارِكينَ وَراءَهُمْ كُلَّ شَيءٍ، وَماضينَ في رِحلَةٍ مَجهولَةَ المـَصير، ظُلمَةٌ داكِنَة لَيسَ فيها إِلَّا نورُ الإِيمانِ وَالعِنايَةِ الإِلَهِيَّة وَالإِلهامَ السَّماويّ، وَهذا ما كانَ يَكفيهِم في رِحلَتِهم الطَّويلَة إِلى مِصر.
عَلى الرُّغمِ مِنْ قَداسَةِ مَريَمَ وَيوسُف، وَعلى الرُّغمِ مِنْ إِيمانِهِم وَإِدراكِهِم بِهُوِيَّةِ طِفلِهما الرَّبَّ يَسوع أَنَّهُ ابنُ اللهِ حَقًّا، كانَتْ المـَصائِب وَالتَجارِب تُحيطُهُمْ مِنْ كُلِّ صَوبٍ، وَلَكِنْ لَمْ يَرتَكِز إِستِقرارُ وَسلامُ العائِلَة المـُقَدَّسَة عَلى الأَمانِ الخارِجيّ أَو المادّي، بَلْ فَقَط عَلى إِيمانِهِم وَثِقَتِهِم بِالعِنايَةِ الإِلَهِيَّة، فَجُلَّ اهتِمامِهِم كانَ مَصبوبًا عَلى الطّفلِ يَسوع. كانَ هوَ وَحدَهُ فَرَحَهُمْ وَثَروَتَهُمْ وَغِناهُمْ بِالقَدرِ الكافي. كان هوَ وَحدَهُ سَلامَهُمْ وَفَرَحَهُمْ وَمَعنى رِسالَتِهِم وَدَعوَتِهِم إِلى أَبعَدِ الحُدود. في الوَقتِ عَينِه لا يُمكِنُنا تَجاهُل المـَسؤولِيَّة الكَبيرَة الَّتي تَقَع عَلَيهِم تُجاهَ الإِنتِباه وَالتَّربِيَة وَالرِّعايَة وَالحِمايَة الَّتي عَلَيهِما أَن يُؤَمِّنوها لإِبْنِهِما يَسوع، في الجَسَدِ مِن ناحِيَةِ مَريَم، وَبالشَّريعَةِ مِن ناحِيَةِ يُوسُف، وهوَ ابنُ اللهِ مُنذُ الأَزَل.
وَفقًا لِلأَناجيلِ المـُقَدَّسَة وَللتَّقليدِ الكَنَسيّ وَالآبائيّ الَّذي دُوِّنَ في القَرنِ الأَوَّل ميلاديّ، لَمْ تَكُنْ حَياةُ عائِلَةِ النَّاصِرَة مَقرونَة بِالعَجائِب وَالأَساطير كَما جاءَ في رِوايات وقِصَص الأَناجيل المـَنحولَة المـَكتوبَة ما بَين القَرن الثاني وَالثّالِث ميلاديّ. عُرِفَت وَطُبِعَتْ حَياةُ العائِلَة المـُقَدَّسَة بِبِسَاطَة العَيشِ وَواقِعِ الفَقر وَنِعمَةِ الإِيمانِ سَعيًا للفَهْم. حُضورُ يَسوع إِبنُ اللهِ المـُتَجَسِّد في وَسَطِ العائِلَة لَمْ يُزِلْ عَنْها طابِعَها وَحَقيقَتَها الإِنسانِيَّة الصَّرفَة، فَقَدْ عاشَ فيها مِلءَ إِنسانِيَّتِنا وَشابَهَنا في كُلَّ شَيءٍ بِطُفولِتَهِ وَمُرَهَقَتِهِ وَبُلوغِهِ. يَحُثُّنا الإِنجيل للتَّأَمُّل في رِحلَةِ عائِلَةِ الناصِرَة إِلى مِصرَ هَرَبًا مِنْ أَمامِ غَضَبِ المـَلِكِ هيرودوس الَّذي عُرِفَ بِإِجرامِه. الطِّفلُ المـُستَهدَف هوَ يَسوع، وَعلى العائِلَة الفَقيرَة وَالمـُتواضِعَة وَالضّعيفَة أَن تَحميهِ مِنْ قُوَّةِ هيرودوس وَجَيشِه وَتَواطُئِهِ مَعَ الرُّومان. لَيسَ باستِطاعَتِهِم التَّعريفَ عَنْ أَنفُسِهِم مَن هُمْ وَمِنْ أَينَ، فَقدْ باتوا بِمَثابَةِ المـُشَرَّدينَ وَالمـُهَجَّرينَ وَالغُرَباء. لَيسَ باستِطاعَتِهِم الوُثوقَ بِأَحَدٍ إِلَّا بِاللهِ وَحدَهُ.
الطَّريقُ إِلى مِصرَ وَالعَودَةِ مِنْها، تُعَلِّمُنا الكَثير عَنْ الحَياةِ العائِلِيَّة، وَتُصبِح بِذاتِها مَدرَسَةً تَختَصِرُ الدَّعوَة العائِلِيَّة في قَلبِ الكَنيسَة. تُعَبِّرُ الطَّريقُ عَنْ المـَسيرَة الَّتي تَحتَوي عَلى الكَثير مِنَ المـَحَطَّاتِ الجَديدَة وَالمـُتَنَوِّعَة وَالمـُفاجِئَة. الطَّريقُ على المـُستَوى الرُّوحيّ، هيَ نَهجُ حَياةٍ يَستَدعي نَمَطًا وإِيقاعَ حَياةٍ مُنتَظَمَة داخِلِيًّا، تَقومُ عَلى أَساسِ العَلاقَة مَع اللهِ وَرَفيقَ الطَّريق، أَمَّا على مُستوى الإِنتِظام الخارِجيّ فَفيهِ الكَثير مِنَ المـَطَبَّاتِ مِنْ جَرَّاءِ تَنَوُّعِ الأَحداثِ وَالخُبُرات. هَكَذا نَستَطيعُ اختِصارَ رِحلَة العائِلَة المـُقَدَّسَة إِلى مِصر، فَهيَ ثابِتَة في الداخِل بِفِعلِ الوَحدَة وَالإِنسِجام وَالتَّعاون وَالتَّعاضُد وَالمـَحَبَّة، وَمَهزوزَة مِنَ الخارِج بِسَبَبِ الظُروفِ اليَومِيَّة. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا تُصبِح خِبرَة عائِلَة النَّاصِرَة النَّموذَج الأَفضَل لِكُلِّ عائِلاتِنا.
يُخبِرُنا الإِنجيليّ مَتَّى أَنَّ رِحلَةَ العائِلَة المـُقَدَّسَة تَمَّت في اللَّيل وَالسَّبَبُ كانَ الهروبَ مِنَ الخَطَر. يَحمِلُ اللَّيلُ رُموزًا عَميقَة عَلى مُستَوى الكِتاب المـُقَدَّس وَالحَياةِ الرُّوحِيَّة. هوَ يَرمُزُ إِلى الغُموض وَعَدَمِ الأَمان، وإِلى التَّجرُبَة وَالصِّراعَ الدَّاخِليّ. هوَ زَمَنُ مِحنَةٍ حَيثُ تُعطى القُوَّة لِلأَرواحِ الشرّيرَة. نَعَمْ لَقَدْ تَجاوَزَتْ عائِلَةُ النَّاصِرَة هذا اللَّيل، وَذَلِكَ لِأَنَّها تَسَلَّحَتْ بِثِقَتِها باللهِ وَعِنايَتِهِ الأَبَوِيَّة، وَمَحَبَّتِها للطّفلِ يَسوع وَأَمانَتِها لَهُ، بِالإِضافَةِ إِلى تَمييزِها الدائِمِ لِإِلهاماتِ الرُّوحِ القُدُس. أَلَيسَ هذا ما يَنقُصُ عائِلاتَنا اليَوم، وَهيَ تَجتازُ لَياليها الطِّوال؟ هذا إِن تَجاوَزَتْهُ؟! إِذًا كَيفَ لِعائِلاتِنا أَن تَتَشَدَّد وَتَتَقَّوى لِتُواجِهَ الصُعوبات؟
لِكَيْ تَنتَصِرَ عائِلاتِنا على كُلِّ قِوى الشّرّ المـُحيطَة بِها وَالَّتي تَضرِب رَكائِزَها وَأُسُسِها، عَلَيها أَوَّلًا أَن تَخافَ كَما يوسُف وَمَريَم عَلى أَصل وَجَوهَر وَحدَتَها وَأَن تَسعى دائِمًا لِتَكونَ أَمينَةً لَهُ وَهوَ الرَّبَّ يَسوع حَجَرُ زاوِيَتَها. لِكَيْ تَنْتَصِرَ عائِلاتِنا عَلَيها أَن تَأخُذْ قَرارَ مُواجَهَة الشُّرور وَالشّريّر لا اللَّهو بِإِلقاءِ المـَلامَة عَلى أَعضائِها. يُوسف وَمَريَم لَمْ يُلقِيا المَلامَة عَلى الطُفلِ الإِلَهِ يَسوع وَعَلى بَعضِهِما البَعضَ بِسَبَبِ الخَطَرِ المـُحدِقِ بِهِم، وَلَمْ يَخافوا مِنْ رِحلَةِ السَّفَرِ إِلى مِصرَ الَّتي تَرمُز إِلى العُبودِيَّة وَالتَّجرُبَة، بِخُروجِهِمْ مِن أَرضِ المِيعاد، بَلْ وَثِقوا بِاللهِ، وَعَرَفوا وَآمَنوا أَنَّ عِمّانوئيل- اللهُ مَعَهُمْ في كُلِّ الحالات. هَكَذا تَستَطيعُ عائِلاتِنا أَن تَنْتَصِر عِندَما تُكَرِّس ذاتَها لِيسَوع بِما يَعني التَّكريسُ مِنْ مَعنًى وَإِلتِزام وَأَمانَة. آمين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام





