مقالات

مَلَكوتُ اللهِ يَنمو، فَهَل نَحنُ عَلى دِرايَةٍ بِهِ؟

نُصادِفُ في حَياتِنا اليَومِيَّة أَخبارًا وَأَحداثًا لا نَتَوَقَّعُها، وَلَيسَت في حِساباتِنا، مِنها مَا يُحزِنُنا وَمِنها ما يُفَرِّحُنا. عَلى سَبيلِ المِثال: نَسمَع أَنَّ أَحَدُهُم ذَهَبَ إِلى المـُستَشفى لِإِجراءِ فُحوصاتِ طُبِيَّة، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ مُصابٌ بِمَرَضِ السَرَطانِ، وَهوَ مُنتَشِرٌ في جَسَدِهِ بِشَكلٍ سَريعٍ وَقَويّ. كما نَسمَعُ أَنَّ شَخصًا مَديونًا حَصَلَ عَلى عَمَلٍ أَو وَظيفَةٍ مَكَّنَتْهُ مِنَ التَخَلُّصِ مِنْ ديونِهِ، بِشَكلٍ سَريعٍ لَمْ يَكُنْ بِالحِسبان. رُبَّما نَضَع هَذِهِ الأُمور ضُمنَ إِطارِ الحَظّ أَو الصُدفَة، وَلَكِنْ إِذا قَرَأناها على ضَوءِ المـَنطِق وَكَلِمَةِ اللهِ، نُدرِكُ أَنَّ الحَياةَ لَيسَتْ مُلكًا لَنا، وَلَيسَت بِحوزَتِنا، إِنَّما هيَ عَطِيَّةٌ لنا تَحمِلُ الكَثير مِنَ المـُفاجَآت. مِنْ بَينِ هَذِهِ المـُفاجَآت السّعيدَة، أَنَّها تَحتَوي على مَلَكوتِ الله.

عِندَما نَستَمِع إِلى يَسوع يُكَلِّمنا بِالأَمثالِ عَنْ مَلَكوتِ اللهِ، نَجِدُ أَنَّهُ يَضَعُ أَمامَنا حَتمِيَّة نُمُوّ مَلَكوتِ اللهِ، حَتَّى أَنَّ كُلّ قِوى الظَّلامِ وَواقِع الحَياةِ المادِيَّة وَالزَّمَنِيَّة لا تَستَطيعُ أَن توقِفَهُ. في مَثَلَ الزَّرعِ الَّذي يَنمي مِن تِلقاءِ ذاتِه، يُبَيِّنُ لَنا أَنَّ النُموّ هوَ مِنْ طَبيعَةِ وَهُوِيّة مَلَكوتُ الله، فَهوَ لَيسَ بِحاجَةٍ إِلى عُنصُرٍ إِضافيّ لِكَيْ يَنضَج. ما إِن دَخَلَ اللهُ بِذاتِهِ بالإِبنِ الوَحيد في صُلبِ التّاريخِ البَشَريّ مِن خِلالِ التَّجَسُّد، حَتَّى أَصبَحَ مَلَكوتُ اللهِ حاضِرًا بِقُوَّةٍ عَلى امتِداد كُلّ التاريخ البَشَريّ. يُشَكِّلُ حُضورُ المـَسيح في حَياتِنا المادَّة الأَساسِيَّة لِنُمُوّ مَلَكوتِ اللهِ فينا.

في مَثَلِ حَبَّةِ الخَردَل نَكتَشِفُ أَنَّ نُمُوّ مَلَكوتِ اللهِ يَأخُذُ مَسارَ النُّمُو الطّبيعي في حَياتِنا، لَكِنَّهُ يَبلُغُ فينا أَخيرًا إِلى النُّضجِ، أَيْ إِلى مِلءِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة. يَبْدَأ مِنْ نُقطَةِ الصّفر، لِيَصِلَ أَخيرًا إِلى اللَّامَحدودِ وَإِلى المـُطلَق. في بِدايَاتِهِ يُبقي عَلى طَبيعَتِنا الإِنسانِيَّة مَلامِحِها المَعروفَة مِن الضُعفِ وَالمـَحدودِيَّة، لَكِنَّهُ عِندَما يَنضُج يَنقُلُنا إِلى الأُلوهَةِ وَالمَجَدِ وَالقَداسَة. هذا ما نَراهُ قَدْ تَحَقَّقَ تَمامًا في حَياةِ القِدّيسين. يُشَجِّعُنا مِثالُهُم عَلى قَبولِ مَلَكوتِ اللهِ في حَياتِنا.

إِذًا، مَعَ الرَّبَّ يَسوع أَصبَحَ مَلَكوتُ اللهِ حاضِرٌ بِقُوَّةِ في قَلبِ التَّاريخ. بِإِمكانِنا أَن نَقبَلَهُ وَبِإِمكانِنا أَيضًا أَن نَرفُضَهُ. قَبولُنا لَهُ يَجعَلُنا نَختَبِرُ مَحَبَّةَ اللهِ، فَيوَلِّدُ فينا الرَّجاءَ السّعيد لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة، وَيَدفَعُنا لِنَعيشَهُ مِنْ خِلالِ عَيشِنا المـَحَبَّة فيما بَينَنا. تَكمُنُ التَّجرُبَة في حَياتِنا المـَسيحيَّة أَنَّنا نَظُنُّ وَنَتَوَقَّع أَنَّ قَبولُنا لِمَلَكوتِ اللهِ سَيُغَيِّرُ واقِعَنا الإِنسانِيّ أَو الإِجتِماعيّ، فيما هوَ يَعني هُوِيَّتَنا وَدَعوَتَنا لِنَكونَ عَلى عَلاقَةٍ وَطيدَةٍ مُتَّحِدينَ بِالله، مِن خِلالِ الرَّبَّ يَسوع. فَهوَ لا يَقومُ عَلى تَغيير الواقِع، بَل يَمُدُّنا بِالقُوَّة لِكَيْ نُغَيِّرَهُ. يَختَلِفُ مَلَكوتُ اللهِ عَنْ كُلّ مُلْكٍ وَسُلطَةٍ زَمَنِيَّة، فَهوَ يَتَمَيَّزُ أَنَّهُ لا يَتَسَلَّط عَلى الإِنسانِ وَلا يَقمَعُهُ، لا بَلْ يَعمَل عَلى تَحريرِهِ مِنْ كُلِّ قَيدٍ إِجتِماعيّ وَثَقافيّ وَإِنسانيّ وَروحيّ. لِأَنَّ طَبيعَة مَلكوت اللهِ إِلَهيّة وَروحِيَّة، فهوَ يُنَمِّي مَواهِبِ الرُّوحِ القُدُس في حَياةِ مَن يَقْبَلونَ الرَّبَّ يَسوع مَلِكًا وَسِيّدًا وَإِلَهًا عَلى حَياتِهِم.

تَأكيدًا عَلى ذَلِكَ، نَكتَشِفُ مِنْ خِلالِ الإِنجيل أَنَّ يَسوع بَعدَما قَبِلَ عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس في المـَعمودِيَّة، أَعلَنَ مَشروعَهُ الخَلاصيّ في مَجمَعِ كَفَرناحوم مِن خِلالِ نَبُؤَةِ النّبيّ أَشعيًا، مُؤَكِّدًا عَلى حُلولِ مَلَكوتِ اللهِ، عَن طَريقِ تَفعيل مَواهِبِ وَثِمار الرّوح القُدُس في الطّبيعَةِ الإِنسانِيَّة، لِكَي تُشفى وَتَتَحَرَّر، فَتَعرِفَ الخَلاص. إِذا كانَت الفُحوصات المـَخبَرِيَّة الطُبّيّة تُؤَكِّد لِلمَريض صِحَّةَ مَرَضِهِ، وَحدَها كَلِمَةُ الله، وَمِرآةُ حَياة وَمِثال الرَّبَّ يَسوع يُؤَكِّدانِ عَلى صِحَّةِ حُلولِ مَلَكوتِهِ في حَياتِنا. هذا ما بُرهِنَ لَنا مِنْ خِلالِ حَياةِ القِدّيسين، لا لِنَقِفَ عَلى حِيادٍ، غَيرَ مُبالينَ بِحُضورِ مَلَكوتِ اللهِ، بَلْ لِكَي يَحيا فينا بِقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس.

إِنَّ دَعوَةَ وَحُضور الكَنيسَة في قَلبِ العالَم، يَقومُ عَلى تَحقيقِ مَلَكوت اللهِ في قَلبِ التّاريخ، لَيسَ عَلى نِطاقٍ إِنسانيّ وَمُؤَسّساتي وَإِجتِماعيّ كَسائِر المـُؤَسّساتِ الإِنسانيّة وَالإِجتِماعيَّة، بَل لِتَحقيقِهِ عَلى المـُستَوى الرُّوحيّ. إِنطِلاقًا مِنْ هُنا، تَقومُ دَعوَةُ كُلَّ عُضوٍ في الكَنيسَة مِنَ الرّأسِ حَتَّى الأَطراف، عَلى إِحياءِ الإِنسانِ الجَديد الَّذي قامَ مَعَ المـَسيح. لِذَلِكَ لِكَي نَنموَ وَنَنضُجَ سَوِّيًّا عَلَينا أَن نُحِبَّ بَعضُنا بَعضًا مِثلَما المـَسيحُ أَحَبَّنا، بقُوَّةِ الرُّوحِ القُدُس، عِندَئِذٍ نُعرَفُ أَنَّنا أَبناءُ القِيامَة وَالمـَلكوت، وَإِلَّا نَكونُ مِلحًا فاسِدًا مَمقوتًا مِنَ العالَم. آمين.

تابعوا قناتنا

https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg

شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام!