موقع Allah Mahabba ماذا نَتَعَلَّم مِن تَجارِبِ الرَّبَّ يسوع في البَرّيَّة لِحَياتِنا اليوم؟!
عِندَما نَقْرَأ الأَناجيل الإِزائيَّة: متّى، مَرقُس وَلوقا نَجِدُهُم يَذْكُرونَ لَنا تَجارِبَ يَسوعَ في البَرِّيَّة مُدَّةَ أَربَعينَ يَومًا، وَيُلاحَظْ مِنْ خِلالِ شَهادَتِهِم أَنَّهُ كانَ بِمُفرَدِهِ، فَلا يُمْكِن أَن تَكونَ شَهادَتِهِم شَهادَةُ عِيانٍ، بَلْ مِنَ المـُؤَكَّد أَنَّهُمْ قَدْ سَمِعوها مِنْهُ أَو مِنَ الرُّسُلِ الَّذينَ كانوا هُم بِرِفِقَتِهِم. إِذًا، يَتَبَيَّن لَنا بِشَكلٍ لا لِبسَ فيهِ أَنَّ الرَّبَّ يَسوع أَرادَ وَصَمَّم أَن يَنقُلَ لَنا خِبرَتَهُ في البَرِّيَّة مِن خِلالِ رُسُلِهِ وَتَلاميذِه، وَرُبَّما تَكونُ هيَ أَوَّل الاختبارات الرُّوحِيَّة الَّتي شارَكَهُم إِيَّاها وَحَثَّهُم عَلَيها، وهيَ مُفتاحَ فَهِمنا لِما كانَ يَعيشَهُ كُلُّ لَيلَةٍ مِنْ لَياليهِ عِنَدما كانَ يَمضي إِلى القَفرِ وَالجِبالِ وَحيدًا لِيُصَلّي مُناجِيًا الآبَ السَّماويّ.
إِنطِلاقًا مِنْ هُنا يُصبِح تَأَمُّلُنا في عُزلَةِ الرَّبَّ يَسوع تَعليمًا روحِيًّا مُوَجَّهًا لِكُلِّ شَخصٍ مِنَّا، لِكَيْ يَكونَ لَنا زادًا إِنسانِيًّا وَروحِيًّا، يُشَدِّدُنا أَمامَ تَجارِبِ إِبليس. الجَديرُ ذِكرُهُ أَنَّ خِبرَةَ الرَّبَّ يَسوع في البَرِّيَّة لِمُدَّةِ أَربَعينَ يَومًا هيَ بِمَثابَةِ أَوَّلُ رِسالَةٍ قامَ بِها بَعدَ عِمادِهِ على يَدِ يوحَنَّا في نَهرِ الأُردُنّ، وَكانَتْ بِمَثابَةِ المـُقَدِّمَة لِكُلِّ رِسالَتِهِ التَّبشيريَّة، وَكَأَنَّها تُشَكِّلُ الأَساسْ المـَوضوعِ على حَجَرِ زاوِيَةِ المـَعمودِيَّة. يُؤَشّر هذا الأَمر لِأَهَمِّيَّتِها القُصوى لِحَياتِنا الرُّوحِيَّة وَلِكُلِّ شَخصٍ يُريدُ أَن يَتْبَعَ الرَّبَّ يَسوع وَأَن يَعيشَ الزَّمَنَ الأَربَعينيّ وَفقًا للروحِ القُدُسِ الَّذي قادَ يَسوعُ إِلى البَرّيَّة.
لَمْ يَمضِ يَسوعُ إِلى البَرِّيَّة بِهَدَفِ عَيشِ مُغامَرَة شَبابِيَّة يُثبِتْ لِذاتِهِ مِن خِلالِها قُدُراتَهُ وَطاقاتِهِ الإِنسانِيَّة والرُّوحيَّة، إِنَّما انقِيادَهُ وَطاعَتَهُ للروحِ القُدُسِ جَعَلَهُ يَضَع كامِل إِرادَتَهُ وَرَغبَةَ قَلبِهِ تَحتَ مِجهَرِ هذا الإِختِبار القاسي بِدافِعِ تَمجيدِ الآب السّماويّ وَحُبًّا بِهِ. على هذا الأَساس تَدعونا الكَنيسَة للدُّخولِ إِلى الزَّمَن الأَربَعينيّ بِقُوَّةِ الرّوحِ القُدُس الَّذي نِلناهُ في المـَعمودِيَّة، وَلَيسَ إِلى مُغامَرَةٍ تَصبو إِلى تَشديدِ الإِرادَةِ فَقَط وَإِعلاءِ الكِبرِياء بَدَلًا مِنَ التَّواضُع. في هذا الزَّمَن المـُقَدَّس نُمَيِّزُ انتِماءَنا إِذا كانَ لله أَم هوَ لِأَنفُسِنا وَلِرَغباتِنا الجَسَدِيَّة وَالمادّيَّة. فَهوَ لَيسَ زَمَنَ مِحنَةٍ وَامتِحان، إِنَّما هوَ زَمَنُ النِّعمَة حَيثُ نَستَقِبل حُضورَ اللهِ في وَسَطِ تَجارِبنا الدّاخِلِيَّة وَالخارِجِيَّة حَيثُ نَجِد أَنفُسَنا دائِمًا مُعَرَّضينَ للإِغواءِ وَالسُّقوط. إِمَّا نَتَمَسَّك بِكَلِمَةِ اللهِ وَنِعمَتِهِ، أَو نَتَمَسَّك بِشَرِّ إِرادَتِنا الذَّاتِيَّة وَنَقبَل الأَفكارِ وَالإِيحاءات وَالمـَشاعِر الَّتي يُؤَثِّر عَلَينا بِها إِبليس عَدوّ طَبيعَتنا البَشَرِيَّة.
تَتَّسِمُ تَجارِبُ الرَّبَّ يَسوع في البَرِّيَّة بِطابِعِ المـُواجَهَة المـُستَمِرَّة، مُواجَهَة الضُعفِ البَشَريّ أَمامَ الحَاجاتِ وَالضّروراتِ الأَساسِيَّة حَيثُ يَغزوها الشُّعور بِالنَّقص وَالحُرمان وَالجوع وَالخَوف. مُواجَهَة إِبليس كَكائِنٍ شَديدُ الدَّهاءِ وَالقُوَّة مَصَدَرُ الشُّرورِ كُلِّها وَسَيِّدُ الكَذِبِ وَالإِغواء. مُواجَهَةٌ مُستَمِرَّةٌ ضِمنَ ثَلاثَة أَبعادٍ نُعَرِّف عَنْهُم بِالتّجارِب الثّلاث، وَهيَ: طَبيعَتَنا البَشَرِيَّة، حُبَّ الباطِل، وَحُبَّ المالِ وَالغِنى وَالتَمَلُّك. أَمَّا الأَسلِحَة الَّتي أَعطانا إِيَّاها الرَّبّ فَهيَ: الثَّبات بِالهُوِيَّة كَأَبناءٍ لله، كَلِمَةُ الله، وَالصّلاة.
لَقَد صَامَ الرَّبَّ يَسوع مُدَّةَ أَربَعينَ يَومًا لِيلًا وَنَهارًا حَتَّى جاع. بِالطَّبعِ لَمْ يَكُن الهَدَفْ بُلوغَ الجوع، وَلَكِنْ إِظهارَ تَوقَهُ وَشَوقَهُ لِخِدمَةِ أَبيهِ السَّماويّ وَإِعطائِهِ المـَكانَةَ الأُولى في حَياتِهِ الإِنسانِيَّة. أَمَّا بُلوغَهُ إِلى الجوع يُؤَكِّدُ عَلى أَمرَين: أَوَّلًا أَنَّهُ صارَ إِنسانًا حَقًّا. ثانِيًا، أَنَّ طبيعَتَنا البَشَرِيَّة تَبقى مَحدودَة وَتُصبِح أَكثَر عُرضَةً للإِنكِسارِ إِذا لَمْ تَتَغَذّى بِكَلِمَةِ الله، وَلَمْ تَثْبُت في هُوِيَّتَها كَهَيْكَلٍ للرُّوحِ القُدُس، وَإِذا تَخَلَّتْ عَنْ اتِّصالِها بِخالِقِها الحَنون وَالطَيِّب عَنْ طَريقِ الصّلاةِ المـُسْتَمِرَّة. صَومُ الجَسَد يُعتَبَر بِمَثابَةِ قَولِ “لا” لأَوامِر النَّزَواتِ وَالأَهواءِ الجَسَدِيَّة. لا للإِستِسلامِ للنَّقصِ وَللجوعِ وَللجَشَع، وَ”نَعم” للرُّوحِ القُدُس لِيَملِكَ على هَيكَلِهِ أَي الجَسَد عَنْ طَريقِ رَفع هُوِيَّة الطَبيعَة البَشَرِيَّة لِتَكون في يَسوع المـَسيح إِبنَةً لله. وَعَنْ طَريقِ الصَّلاةِ الحارَّة وَالصادِقَة وَالمـُتَواضِعَة.
عَنْ طَريقِ الأَفكارِ وما تُغوى بِهِ عُيونَنا وَمَسامِعَنا، نَجِدُ أَنفُسَنا مُعَرَّضينَ لِتَجرُبَة حُبّ الباطِل. هَذِهِ التَّجرُبَة تَقودُنا إِلى تَعزيزِ الأَنانِيَّةِ فينا، وَتَفضيل أَنفُسَنا عَلى الآخرين، وَحَتَّى عَلى استِخدامِ مَواهِبَنا لا بِهَدَفِ مَحَبَّةِ اللهِ وَشُكرِهِ عَلَيها، وَلا بِهَدَفِ حُبّ إِخوَتَنا البَشَر وَخِدمَتِهِم، بَل لِتفضيلِ أَنفُسِنا على الآخرين، وَجَعلِهِم وَسائِل لِنَكونَ نَحنُ في الطّليعَة، في بُيوتِنا وَفي مَدارِسِنا وَفي مَلاعِبِنا وَفي أَعمالِنا وَعَلاقاتِنا وَحَتَّى في عِبادَتِنا لله. لَنْ نَستَطيعَ تَجَنُّبَ هَذا الإِغواء الشّيطانيّ إِذا لَمْ نُدرِك أَنَّنا حَقًّا بَنات وَأَبناءَ الله، وَلَسنا بِحاجَةٍ لِنُثبِتَ لِأَيّ أَحَدٍ هُوِيَّتَنا. لَن نَستَطيعَ مواجَهَة حُبَّ الباطِل إِذا لَمْ نَطلُب فَضيلَةَ التَّواضُع الَّتي تَضَعُنا دائِمًا أَمامَ حَقيقَةَ أَنفُسِنا لا مُقارَنَةً مَعَ أَحَدٍ بَلْ تَضَعُنا أَمامَ الله.
كَثيرًا ما نَظَنُّ بِشَكلٍ خاطِئ أَنَّنا بِقَدَرِ ما تَزداد إِستِقلالِيَّتَنا المادِّيَّة، وَبِقَدَرِ ما يَتَوَفَّر لَنا الغِنى وَالمال نُصبِح أَصحاب سُلطَة وَأَحرارًا. إِنَّها الكَذبَةُ الكُبرى لِأَنَّنا وَضَعنا ضَمانَةَ حَياتِنا لِيَسَ بِخالِقِنا وَأَبينا السَّماويّ، بَلْ في زَنزانَةِ المالِ وَالغِنى. نَربُط سَلامنا واستِقرارَنا وَقيمَتَنا بِهِ، وَهوَ يَقودُنا بِسَلاسِلِهِ إِلى الهَلاك، وَمتى فُقِد نَفقُدُ أَنفُسَنا في الآنِ مَعًا. لقَد عَلَّمنا الرَّبَّ يَسوع أَنَّهُ مِن خِلالِ المـُواجَهَة المـُستَمِرَّة عَنْ طَريقِ إِدراكِنا وَوَعينا لِهَوِيَّتَنا الَّتي نِلناها في سِرِّ العِماد، وَعَنْ طَريقِ كَلامِهِ الحَيّ لَنا وَمُثابَرَتنا عَلى الصّلاةِ المـُستَمِرَّة بِأَمانَةٍ وَصِدقٍ وَتَواضُع، يَنتَصِرُ فينا الإِنسانَ الباطِنيّ وَنَجِدُ في مَلَكوتِ اللهِ مَلاذَنا، وَتُصبِحُ مَسيرَةَ البَريَّة زَمَنَ نِعمَةٍ نولَدُ فيهِ بِقُوَّةِ التَّوبَة لِنَكونَ أَحرارًا وَقِدّيسينَ، آمين.
تابعوا قناتنا
https://www.youtube.com/AllahMahabbaorg
شكراً لزيارة موقعنا. ندعوك لمشاركة هذه المقالة مع أصدقائك ومتابعة “الله محبّة” على مواقع التواصل الإجتماعي على فيسبوك وانستغرام ويوتيوب وتويتر. نسأل الله أن يضع سلامه في قلبك أينما حللت ومهما فعلت وخاصّة في لحظات الخوف والألم والصعاب. ليباركك الربّ ويحفظك، ليضئ بوجهه عليك ويرحمك وليمنحك السّلام





